الرياضة والملل

لستُ إنسانة رياضية، ولم أكن في صغري، على الرغم من كل أحلامي منذ الصغر بأن أتعلم السباحة والرماية وركوب الخيل والدراجة والجمباز وغيرها من الرياضات التي كانت ولا زالت تخطف بصري وقلبي دهشةً بجمالها والمستوى العالي من اللياقة والمهارة الذي تحتاجه.

قبل عدة سنوات ومن محاولاتي لتبني نمط حياة صحية، كنتُ أمارس الرياضة من مرة إلى مرتين في اليوم، وأعتني بغذائي ونومي وصحتي، استمر الأمر لأشهر إلى أن انشغلت مع آخر سنة جامعية وتوقفت، لا أذكر كيف ولا متى، لكني توقفت. مرت السنوات إلى أن انتقلت إلى مدينة جديدة، وفي تطلعي لبناء أسلوب حياة أفضل عدتُ أحاول ممارسة الرياضة والإلتزام بها كما قبل، لكن هيهات!

لسبب ما، في حين أن الرياضة قبلًا كانت تملئني حماسةً وطاقةً، أصبحت الآن ثقيلة ومملة جدًا، لا أرى لها نظامًا ولا طريقًا. كان حماسي لها عاليًا حتى أصلَ إلى أول آلة وابدأُ في التمرين، ليهبط هبوطًا حادًا وأعدّ الدقائق حتى ينتهي الوقت.

في محاولة للتخلص من الملل اتجهت للرياضات الخارجية، المشي السريع والهرولة صباحًا أو مساءً، لم تكن بذلك السوء لكني وجدتها أيضًا مملة إلى حدٍ كبير! ويصبح الإلتزام بها صعبٌ جدًا. قررت تجربة نوعٍ جديدٍ من الرياضة، لعل وعسى أن أستعيد شغف الحركة. اطلعت على جدول النادي لاستكشاف الخيارات الموجودة من التمارين الجماعية، يوغا، بووتكامب وغيرها. وبدأت بحضورها مرة أو اثنين في الأسبوع.

قبلًا كنتُ أحسب أن اليوغا مجرد حركات للإسترخاء والتأمل، ما اكتشفته أنها متشعبة وواسعة أكثر من ذلك بكثير، ولها أنواع متعددة والكثير منها صعبٌ جسديًا ويتطلب مني أشهر وسنواتٍ حتى أستطيع إجادة حركة واحدة! أعجبني التحدي، اليوغا لمن لم يمارسها قبلها هي رياضة “هادئة”، ستجدُ نفسك تتصبب عرقًا وأنت لم تركض أو تقفز، اكتشفت فيها عضلاتٍ لم أشعر بها من قبل في بدني، اكتشفت قدرة جسمي على التمطط، الإنحناء والإلتفاف والثبات بصور لم أتخيلها قبلًا. ممارستي لليوغا تغذّي فضولي في اكتشاف جسمي وقدراته، هذا وحده كان مدهشًا! أخدتُ أمارسها لأشهر مع مجموعة ومدربة، إلى أو وصلت لمرحلة أن حفظتُ الحركات والتسلسل ولم يعدُ الأمر فيه تحدي، فأخذت أبحث عن مجموعاتٍ أخرى حتى وجدتُ واحدةً في جدة كنتُ أذهب لها كل أسبوع. ولأن المجموعة كانت صغيرة، سهل عليها أن تعطي كل واحدة منها إهتمامًا لتصحح وضعيتها وطريقة انتقالها بين الحركات، أمرٌ مُدهش حيث تبدأ التمرين وأن تشعر أن عضلاتك صلبة متحجرة، وتنتهي وأنت تشعر بليونة ومرونة وخفّة لا مثيل لها.

لم ينتهي الأمر عند هذا الحد، من المبادئ التي حاولت تطويرها وتطبيقها في هذا العام، تجربة الأمنيات التي أخاف منها، كمثال، من أحلامي منذ الطفولة تعلم رياضات معينة والتركيز عليها، رياضات المضرب كالتنس والسكواش والطائرة ليست استثناءً، في صغري كانت عندي مشكلة في التوازن والتنسيق بين حركة اليد والعين، بكلماتٍ أخرى كان إمساكي للمضرب ومحاولة اللعب تعني الكثير من الإحراجات، فالكرة ستضرب فيَّ مئات المرات، وسأحاول بفشلٍ صدها دون جدوى، كنتُ طفلةً خرقاء إن صح التعبير، وكبريائي لم يكن يسمح لي أن أضع نفسي في هذا الموقف مرة أخرى. لكن هذه السنة قررتُ أن أكسر هذا الخوف والحاجز، وتيسر لي أن أجد مدربة لرياضة الريشة “badminton” لتعطيني دروسًا خصوصية وأطور من مهاراتي.

في البداية لم يكن الأمر سهلًا، ونعم كُنت أخاف من الكرة الريشة وأبتعد عن طريقها بدلًا من صدها، أحمد الله على المدربة طويلة البال واللطيفة، لم ألحظ منها مرة ضحكة أو ابتسامة أو تقليل من جهودي وتطوري، شيئًا فشيئًا تطورت مهارتي وحتى قدرتي على التنسيق بين ردات فعل يدي وما تراه عيني، وهو ما كنت أظنه لن يتحسن كثيرًا. في البداية بدأنا بتعلم الأساسيات، إلى أن اتقنتها ووصلنا الآن لمرحلة التطوير، زيادة السرعة، والخفة، والدقة. هذه المرحلة تلزمني أن أهتم بنفسي وأصنع برنامجًا آخر خارج ساعة الريشة، على سبيل المثال أحتاج إلى تطوير حركات قدمي وسرعتها عن طريق الجري لمدة ٣٠ دقيقة ٣ مرات بالأسبوع، بالإضافة إلى نط الحبل يوميًا لأعوّد قدمي أن تتحرك بخفة على أصابعي. أحتاج إلى زيادة قوة ضرب يدي عن طريق تمرين عضلات معينة في ذراعي وكتفي.

الفرق بين ممارستي للرياضة قبل سنتين والآن أنه أصبح لدي هدف! الرياضات تعطيك وجهةً تعملُ لأجلها، فتصبح ممارسة الرياضة للوصول لنتائج محددة ترى أثرها في مهارة تتقنها، وليس فقط أن ينزل وزنك أو تحافظ على شكل ما. الرياضة مفهومها أشمل من نادي ورفع أثقال وتمرين عضلات وتمارين قلبية، أذا أتيحت لك الفرصة جرّب أن تنظر لها كمهارة تكتسبها وتربي في شخصك التطوير المستمر، الإنضباط، الإستمرارية، بالإضافة إلى كونها تغيير لطيف ومنعش عن الدراسة والعمل، تزيد ثقتك بنفسك وتعرّفك على أناس أكثر من دائرة جديدة.

ما المهارة الرياضية التي تتمنى اكتسابها؟


الإنضباط والإستمرارية

“قليل دائم خيرٌ من كثير منقطع”

مبدأ يستحق التفكر، لماذا أهمية الإستمرارية طغت على حجم أو كمية العمل؟ ما تأثير ذلك على الشخص؟ ومحطيه؟
لنأخذ نفس المبدأ في الحياة الشخصية، أن تقرأ كل يوم صفحتين من كتاب، أو تلتزم بشرب جرعات من الماء على مدار اليوم، أفضل من أن تقرأ في يوم واحد كتابًا كاملًا، ثم لا تلمس كتابًا لأيام وأسابيع، أو تتجرع لترًا من الماء في نصف ساعةً فلا يستفيد منه جسمك ويتخلى عنه.
نفس المبدأ في العمل، أن تأخذ على عاتقك مهمةً تقوم بعملها دائمًا بجودة متوسطة، أفضل من أن تأخذ مشروعًا تتقنه اليوم، وتأخذ آخر غدًا لا تفلح فيه أو تهمل.
من أكثر المهارات والعادات مهمٌ أن يكتسبها الشخص، هي الإنضباط، أن تلزم نفسك بما يجبُ عمله، بحسب المواعيد والإشتراطات، دون تسيبٍ ولا نقصان، هي إنعكاس لإدارة للنفس عالية وفعّالة، وتساهم في حفاظ الشخص على مستواه ونتائجه في العمل أو الدراسة وغيرها. يلزمها الكثير من جهاد النفس، لكنها مُمكنة!

ابدأ بترتيب أولوياتك، وإلزام نفسك بعادات صغيرة، إذا أردت أن تكون صحيًا على سبيل المثال، ألزم نفسك بنصف ساعة من الرياضة يوميًا، في وقتٍ محدد، واستمر عليه مهما كان، ثم انظر بعدها إلى غذاءك، ما الذي يمكن أن تتخلى عنه ليكون غذاءك أكثر توازنًا، وكل خطوة تخطوها للأمام، ليس لها عودة !
في العمل، الشخص المنضبط والملتزم هو شخص يعرف نفسه ويعرف كيف يدير وقته وينجز مهامه على أتم وجه في كل مرة، مهما تغيرت العوامل في العمل أو في حياته الشخصية، فيكون موهبةً تستطيع الإعتماد عليها والثقة فيها كليًا.

الوصول إلى هذه الدرجة من الإنضباط والثبات في الإنجاز ليس سهلًا، خصوصًا عند حديثي التخرج من الجامعة، لكن يمكن بناءه في النفس بالعادات السليمة، والعقلية الصحية في العمل، من أكثر المشاكل المُلاحظة على متبدأي العمل هو ليونتهم على أنفسهم، يتخذون لأنفسهم ألف عذرٍ وعذر لإهمالهم أو عدم إنجازهم كما يجب، لعب دور الضحية بأنهم “مساكين” وأن المدير شديد أو غير متفهم، هو من أكثر الموقف خطرًا على الشخص لنفسه ومستقبله، ففي اليوم الذي تصدق فيه أنك ضحية أحد، تُخلّي نفسك من المسؤولية، وبالتالي لن تقوم بأي فعلٍ لتغيير شيء، وتحبس نفسك في دائرة لا نهائية من التذمر ولوم الآخرين والسلبية.


Featured

بحثًا عن التوازن

كشخصٍ يعشق الإنجاز، أجد نفسي كثيرًا ما أغرق في العمل غرقًا دون حدود، الموازنة جدًا صعبة عندما تحب أن تعطي كُل ما لديك للعمل الذي يحملُ شغفك وإهتمامك. في البداية سيكونُ كُل شيء على ما يرام، لكن سيأتي يومٌ تجدُ أنك قصّرت في حق نفسك والجوانب الأخرى في حياتك من أجل عملك أو دراستك والتي لن تكتفي وستظل متطلبةً لك بإستمرار.

وصلتُ لهذه المرحلة عندما وجدتني لا أملك الوقت لممارسة الرياضة، أو القراءة، أو كتابة المدونات كما كُنت أحب، عندما غمرني التوتر والقلق المستمرين، وعندما وصلت لمرحلة الاهتمام زيادةً عن اللزوم. رغبتي في الوصول للكمال في كل مخرجاتي تجعلني أعمل أكثر، لساعات أطول، “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه”، المحيّر في الأمر، متى تعرف أنك اتقنت العمل ولا تحتاج أن تبذل أكثر مما بذلت؟

ما يثير الحيرة أكثر، حين تجدُ أحدُ العوامل يصرخ أنك نجحت، وعاملٌ آخر يقول لك أنك فشلت ولا تدري أتسمع لهذا أم لذاك.

لأكون واضحةً وصريحةً مع نفسي، النقطة التي جعلتني أقف وأقرر تهذيب نفسي ومحاولة إدخال جوانب أخرى في حياتي هي عندما تعرضت لمواقف عدةٍ مع زملائي بيّنت لي إختلاف منظوري للأمور، والذي يتسبب كثيرًا عمدًا أو دون قصدٍ في مشكلات ودراما ومشاعر بداعٍ أو بدون. المشاعر شيءٌ لطيف، كثرته وإعتماديته على الإفتراضات والتحسسات “يجيب العيد”، لكن ليس هذا موضوع اليوم.

بحثًا عن التوازن هو مشروع أطلقته بيني وبين نفسي، أحاول فيه التركيز على جوانب مختلفة فيَّ وفي حياتي بالإضافة لعملي الرهيب. أحد أهم أهدافي الأبدية أن أعيش صحية، ولا أعني بذلك أن يكون لدي كتلة عضلية وجسم مشدودٌ فحسب، مُناي ورغبتي أن أقي نفسي شر الأمراض الوراثية والجينية وأرذل العمر، بدءً من السكري والضغط والكوليسترول وصولًا للسرطان والزهايمر وغيرها. قبل عدة سنوات ركّزت على ممارسة الرياضة والطعام الصحي والموزون قدر الإمكان، تطبيقًا لمقولة: “نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع”، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم :” ثلث لطعامك، وثلث لشرابك وثلث لنفسك “.

مع الوقت ولأعذار كثيرة لم تعد الرياضة جزءً لازمًا من يومي، بالكاد أحاول الإلتزام بتمرين اليوغا الأسبوعي أو المشي قبل الإفطار أو صباحًا، كتجربة لشيء جديد قررت التركيز على ما آكل فضلًا عن الحركة والرياضة. وهنا اتخذت القرار المصيري بأن أركّز على الطبخ.

أعترف أني سابقًا كرهت الطبخ وتجنبت تعلّمه لأن السبب والدافع كان: “اتعلمي تطبخي لتأكلي زوجك ولا كيف حيعيش المسكين؟ أتعلمي تطبخي ولا كيف حتفتحي بيت؟”

كعادتي المتمردة، قررت “ما أتعلم اطبخ”. وأعترفُ أن جزء صغير مني فخورٌ بأني فتحت بيتًا دون زوج، وعشت لأشهر طوال دون أن أطبخ ودون أن أصبح برميلًا كما كانت المقولات تدعي وبذلك كسرت –لنفسي على الأقل- كُل التشرطات التي كبرنا نسمعها وكأن الدنيا محصورة بها.

اليوم، أنا سعيدة أن دافعي للتركيز على الطبخ هو إهتمامٌ بنفسي، وبصحتي، إحساسٌ بالحرية جميلٌ جدًا عندما تشتهي شيئًا وتقوم بتحضيره بيديك، أو الأعجب كيف مجموعة خضروات وبهارات وحرارة نارٍ تنتج نكهاتٍ مختلفة لذيذة أو غريبة، مُدهش!

بإختصار، استراتيجيتي في موازنة حياتي ليس في أن أضع حدًا لعدد الساعات اللي أعملها أو متى أعمل، إنما أحاول أن أركز على بناء وتنمية جوانب أخرى تملأ يومي وعقلي وإهتمامي، وبذلك أتوقف عن العمل تطلعًا للتجربة الجديدة والمدونة التي أفكر بها والمغامرة التي أتخيلها. “توفير البدائل مقابل حرمان النفس”.

المطبخ صديقي الجديد، والمدونة صديقي العائد، لعل وعسى ألتزم هذه المرة!

Saying Goodbye

Since the end of June, it has been the farewell season. Goodbyes are never pretty no matter how peaceful or necessary because they imply an end for something that was beautiful.

Goodbye imply a loss! Of friendship, good times, education, memories, personal connection .. and a lot more. Goodbyes are also part of change, something that is not easy on everyone.

Seeing that I have been saying goodbye a lot lately, in all format and to different kind of people, from a friend to a colleague to a mentor and the list goes on, I still cannot say that I am used to farewells. When you are very busy and your mind is occupied with tens and hundred of things it is very easy to forget to process the emotions, but then reality sink in  very fast!

I discovered that I am to adapt faster than I thought, I learned that with all drama aside I can actually be pretty tough inside, I also learned that I need to make my mind accept the fact of change, that it is a universal never changing rule.

It also helps to be optimistic, I have been lucky enough to meet, friend, and work with a lot of incredible people through out my life, and this is not the end of them, I will still get to meet and work with new incredible people.

This takes me back to when I first started my current employment, how worried I was of not fitting in the team, of the possibility for any reason I won’t belong! And yet things went in a direction that I did not dream off.

Bottom line: Change is difficult, could be unbearable, but it is a nature’s nature, and polishes your personality very well.

فاتك نص عمرك

فاتك نص عمرك هي تعبير حجازي (حسب معرفتي)، نقوله لشخص عندما يكون قد فاته شيءٌ ما رهيبٌ جدًا لا يُعوّض! مهما كان هذا الشيء.

إذا “فاتك نص عمرك”، معناه شيء كبير ومهم في الحياة ضاع عليك.

إحساس “فاتني نص عمري” بدأت أحسه من إنضمامي وعيشي في كاوست، وبيزداد كثير مع الوقت. في كل مرة يمر أمامي أحد على دراجته، ويزيد لو الشخص منظره لا يستوعبه عقلي على الدراجة، كرجل أو سيدة كبيرين في السن، أو طفلٍ صغيرةً أو شابة مرتديةً عباية!

في كل مرة أرى شخصًا على دبابه “السكوتر” المشبه بالبطة، ولاسيما إذا كانت سيدةً كبيرة في السن أو شابة ترتدي تنورة عمل ضيقة، أو سيدةً تحملُ مشترواتها من السوبرماركت بين قدميها.

في كل مرة أرى شخصًا يمشي مع صديقه الأليف كلبًا كان أو قطًا.

في كل مرةٍ أمشي فيها في النادي وأرى الأصدقاء يلعبون التنس، وكرة الطائرة، والسكواش وحتى البولينج!

فاتني نص عمري وربما أغلبه لأني لا أعرفُ كيف أركب الدراجة، ولا أعرف كيف أسبح، ولم يسبق لي أن لعبتُ التنس بأي أنواعه.

هل سبق وفكرت في عدد التجارب الموجودة في الدنيا والتي لم تخضها بعد؟

قيادة سيارة/دباب/باص؟ تسلق جبل؟ سباحة؟ غوص؟ جري؟ هرولة؟ ماراثون؟ الإعتناء بحيوان أليف؟ أكل معين من دولة ما؟ الزراعة؟ لعبة جديدة كالشطرنج؟ أو أي لعبة من لعب الألواح؟ هل سبق وتناولت وجبة غداء مع شخص تقابله لأول مرة (في غير مقابلة عمل)؟ هل سبق وتحدثت مع شخص من دولة لا تعرف عنها شيئًا وربما لم تسمع بها؟

والكثير والكثير غيرها من التجارب التي يمكن أن يخوضها الإنسان..

لو كنت سأخرج من وجودي هنا بدرسٍ واحد، فسيكون أن في الحياة ما يستحق الحياة فوق تصوري وخارج خيالي وتوقعاتي، وأن العالم الصغير أكبر وأوسع وأغزر بالتجارب والعلوم مما أحسب.. وأني حتمًا ويقينًا لا أعرف أي شيء ولم أقم بأي شيء، وفايتني نص عمري، وعمري كله إن لم ألحقه.

رعب في غرفتي……….

موضوعين من زمان أبا أكتب عنهم، ودماغ التأجيل في عقلي بيلعب بكل قوته فيَّ

قبل دقايق قتلت أول وزغة بنفسي، وهي الدافع لكتابتي للمدونة دي!

لي الآن ١٧ أسبوع (قرابة ٤ أشهر) ساكنة بعيدًا عن عائلتي وأصدقائي، حاليًا أسكن في كاوست، شمال جدة بساعة (اقرأ مدونتي السابقة هنا للتفاصيل).

وأكثر فكرة ترادوني خلال سكني وعيشي بعيدًا، هي كم الأمور اللي اتفاجأ منها في نفسي، أكتشفت فيَّ الكثير من الخوف الذي لم أكن أعرف وجوده، اكتشفت أروى مختلفة لم أتصور يومًا أن تكون. بإيجابياتٍ وسلبياتٍ. أمورٌ كثيرة كانت مشغلة بالي همًا وقلقًا مشت وتسهلت وكنت فيها فنّانة! وأمورٌ أخرى لم ألقي لها بالًا وجدت لي معها الكثير من العقد والأقفال والكلاكيع.

تجربة البُعد عت المألوف ومنطقة الراحة تدفع الإنسان إلى حدوده.

مثلًا، لم أكن أخف من الحشرات قبل، كُنت أستطيع النوم في غرفة تمشي فيها الوزغة بكل سلامٍ لأني أعرفُ أنها لن تفعل لي شيئًا. وعندما سكنتُ وحدي؟ أخاف من كُل حشرة وصرصار يفزعني، الوزع يجعلني أصرخ! لم يسبق لي أن صرختُ خوفًا من حشرة أو زاحف! صرتُ أتجنب الخروج في الليل لباحة المنزل الخلفية لأنها مليئة بالوزغ والصراصير، في مرة وجدتُ صرصارًا ميتًا في غرفتي.. أخذتُ يومًا كاملًا لأستطيع إخراجه من الغرفة ورميه، بدأ الأمرُ دفعاتٍ .. في المرة الأولى تركته وذهبت للعمل بثياب النوم تحت عبائتي، في الظهر تشجعت وتجرأت أن أعود للمنزل لأضعه في المُجراف بالمكنسة، ولا أحكيكم عن الأفلام والمؤثرات الصوتية! ودففت المجراف إلى أعلى الدرج وتركته، وفي المساء عدتُ لأحمل المجراف للأسفل، ولكي لا أتقزز من منظر الصرصار أو أراه يتحرك، كنت أرفعه فوق مستوى بصري وبكل تركيزي أحاول المحافظة على توازن المجراف لكي لا يميل.

لم أعرف نفسي خلال هذه الأحداث ولا بعدها ولا الآن وأنا أحكيها!

في واقعة أخرى، في آخر أيام عملي في رمضان، جهزت حقيبة السفر الصغيرة وأخذتها معي لمكة، عندما وصلت وفتحتها خرج منها وزغة صغيرة جدًا في حجم إصبعي الصغير بل أصغر، نعم خرجت من حقيبتي!!!!! وعندما ناديت أخي ليقتلها، أخذ يضحك علي لوقتٍ طويلٍ.

وآخر الأكشنات؟ اليوم، قبل قليلٍ وأنا أصلي العشاء أشعر بحركة أمامي، وأجد وزغةً صغيرة تُسلّم علي من الأرض! وعندما فزعتُ هربت للجدر، وبقيتُ أنظر إليها وتنظر إلى بعينيها السوداوين الكرويتين لوقتٍ طويل، نظرتُ لحذائي، كروكس البيت البنفسجي، أحبه كثيرًا، وأسفله مدّرج، قد تهربُ من بين الفراغات لن ينفع، بحثت عن حذاءٍ آخر، وجدت الحذاء الرياضي سكيتشر.. ارتديته، لكن المشكلة أني وقفت أتخيلُ شكل أعينها أو ذيلها وهما يتحركان عند موتها، أو ربما تهرب وتقفز على قدمي! والحذاء لينٌ جدًا، أستوعبت وقتها أني سأشعر بها تحت قدمي، واقشعر جسمي تقززًا، لن أستطيع قتلها بحذائي! ولو رميت عليها الحذاء؟ قد تهرب ولا تموت، ما العمل؟!

بحث حولي عن شيء أرميها به.. لا شيء ثقيل بما يكفي أستطيع رميها به، شيء طويل رُبما؟ وجدتُ كرتونًا طويلًا .. والنتيجة هي:

IMG_1703

واضح الحفلة؟ كرتونة مقتولة تحتها وزغة أصغر من إصبعي الصغير، مثبتة بحقيبة (نفسها اللي خرجت منها الوزغة المرة الماضية) عشان ما تسقط الكرتونة وأشوف شكل الوزغة الميتة وأتقزز وأقشعر وأقرف ..

أقول لنفسي إيش دا؟ كيف كدا؟ ما أعرف، كل اللي أعرفه، جانب الخوف اللي بيآكلني أحتاج أتعلم أغلبه. الزبدة من كُل ما سبق، جرّب تعيش بعيد عن أهلك ومعارفك ودائرة راحتك، حتعيش مع نفسك مغامرت لا تُحسد عليها، لكن الأكيد حتتعلم وتستفيد وتتغير .. إن شاء الله للأحسن.

بالنسبة للخوف من الحشرات والزواحف وكل ما هو غير البشر، أحد عنده حلول عملية؟

شاركوني ..

تحديث:

بعد خمس دقائق من نشري للمدونة، اتصل علي أخي ضاحكًا، قرأ المدونة بالطبع! وبعد الكثير من الضحك والـ”طقطقة”، كان معي خطوةً خطوة، لتنظيف العملية الإجرامية التي ارتكبتها يداي، ٣ مناديل متينة، أبعد الشنطة، أميل الكرتون، أمسحه من أسفل بدون ما أفكر لأني مستحيل أحس بالوزغة كما يتهيأ لي، أطبق المنديل بحيث ما يبان لي اللي جواته وأرميه بحماسة في قمامة الشارع. أمسح الكرتون والأرض بديتول. والحمدلله! أصبحت غرفتي خالية من الوزغ ميتًا كان أو حيًا (إن شاء الله!)

كاوست: قطعة من العالم

كاوست حلمي منذ خمس سنوات، ليلة حفل تخرجي من الثانوية وصلني إيميل ترشيح لبرنامج الإبتعاث التابع لجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية KAUST Gifted Students Program (KGSP)، وشاء الله ما يكون لي نصيب في البرنامج لأسباب شخصية. ودخلت جامعة أم القرى! واتخصصت إدارة الأعمال! وحلم كاوست بيبعد … لماذا كاوست؟ لأني أحب العلوم، أحب الفكر العلمي الراقي، لماذا بعدت؟ لأني اتخصصت إدارة أعمال حبًا، تخصص أبعد ما يكون عن العلوم والأبحاث والتقنية، ولأني دخلت أم القرى! الجامعة التي في غير التخصصات الدينية لا يحمل اسمها أي مكانة ولا يعطيك أولوية في شيء.

مرت السنوات، ودخلت مجال ريادة الأعمال، وسمعت عن مركز ريادة الأعمال في كاوست! واتذكرت الحلم، وجدت نفسي في ريادة الأعمال والإبتكار، كثير أناس يقولوا عليها فقاعة، وربما للبعض هي كذلك، لكن لي هي تجارة عريقة جدًا بدأت منذ عرف الإنسان البيع والشراء. الآن لها مسميات ومصطلحات معقدة كثيرة لكن أساسها بسيط وسليم ولابد منه في الحياة. اتخرجت من جامعتي وتخصصي، وبدأت رحلة البحث عن عمل، صفحة التوظيف في كاوست كانت من الصفحات أشيك عليها كل أسبوع بالقليل، اتوقع قدمت على وظيفتين غير مناسبة أعجبتني فقط لكي أنضم إلى كاوست!

وفي أحد أيام الخريف اللطيف، لقيت وظيفة في الموقع بمسمى Saudi Development Program، في تلك الفترة كنت أبحث عن برامج تدريب في الشركات اللي أهتم بيها أو تعجبني، فقلت لنفسي فرصة لو كان برنامج تدريب في كاوست!

فتحت الصفحة، لألاقي ببساطة أنه برنامج توظيف للسعوديين (أنا سعودية!) حديثي التخرج (لساتي متخرجة من كم شهر!)، لا يشترط خبرة (كل خبرتي أعمال جزئية وحرة!)، يشترط نسبة عالية (نسبتي عالية!) والمواقع المتاحة اثنين، وأحدهم في مركز ريادة الأعمال (مكان حلمي ومرادي بالضبط!) والحمدلله، الحمدلله بفضل الله كانت المعجزة اللي ربنا أنعم بيها علي. قدّمت على البرنامج وكل خطوة تتسهل، خطوات ومدة التقديم كانت طويلة جدًا، جدًا، جدًا. لكني الحمدلله وبفضل الله وصلت!

اليوم أكملت ١١ أسبوع ضمن فريق مركز ريادة الأعمال بجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، الناس والأقارب يسألوني ايش شغلك؟ إيش تسوي في عملك؟ أو إيش مهامك ومسؤولياتك؟ عملي بإختصار إني أشتغل مع المشاريع الناشئة، تدريب، برامج مسرّعات، الكثير والكثير من الطلبة والروح الشبابية.

أكتر سؤال انسأله: كيف كاوست؟ تحسي نفسك كأنك برا صح؟ سينما، وستات يسوقوا السيارات، وشاطئ، ومافي حجاب. وكل ما سبق صحيح، لكن عندما تعيش في كاوست لأيام وأسابيع وأشهر وسنين، وتزور جدة ومكة كل أسبوع، تبدأ مع الوقت تلاحظ الفرق ليس بكبير إلا في عقول السكان!

ليست قضية للأمة سواقة الستات للسيارات، الستات بيسوقوا في كل مكان بالعالم دون أي مشاكل، المفترض نستغرب من عدم سواقتهم، وليس من سواقتهم في كاوست.

ما يفرق كثير أن الحجاب غير ملزم عند وجود سياسات للحشمة واللبس الرسمي الملائم للذوق العام ولمن الكل (تقريبًا) يحترم السياسات وإختلاف الثقافات لأن العقول الموجودة راقية تحترم الآخرين وتحترم الإختلاف.

والسينما، إذا ما كنت شخص مدمن أفلام وعندك رغبة تتفرج كل فيلم ينزل في السينما (وهي قليلة جدًا بالمناسبة، فيلمين كل أسبوعين) وغير أن الأفلام المختارة عائلية، فحتلاقي إنك تزور السينما مرتين إلى أربع مرات بالسنة لا أكثر.

والشاطئ؟ مقفل، وله أوقاته وسياساته، والحشمة مُلزمة على الجميع! وأعني الحشمة بالمعنى الذي لا يتخيله عقل الباحث عن ضدها.

ما لا يعرفه الناس عن كاوست “المتحررة”، أنها مبنية ومهيئة تمامًا للعمل، مكتبك يبعد عن بيتك خمس دقائق، ٢٠ دقيقة كأقصى حد بالباص البطيء، يسهل عليك أن تصل للعمل مبكرًا ولا تخرج إلا في ساعة متأخرة، يسهل عليك أن تُأجل غدائك لوقت متأخر، يسهل عليك أن تعمل في أيام نهاية الأسبوع لأنه ببساطة قد لا يوجد شيء آخر تقوم به!

أن تعمل وتسكن في كاوست لا يعني أنك مرفه، بل يعني أن كُل السبل قد سُخِّرَت لك لتعمل وتنتج وتنجز.

شخصيًا، أحببت وبشدة البيئة هنا، السياسات والقوانين، وكل المرافق المتاحة للعيش والحياة والترفيه.

لا أشعر مطلقًا أني خارج السعودية، ربما يبادر هذا الشعور من يزور كاوست مرة أو مرتين، لكن عندما تعيش فيها، وتفكر في الجوانب الأخرى منها، عندما تتأمل في النظام، في الترتيب، في الخدمات، في المرفق، في الأشخاص، وفي الإحسان! تجد أنها قطعة من مستقبل السعودية.