تعريف الجمال

في القدس تعريفُ الجمالِ مُثَمَّنُ الأضلاعِ أزرقُ،
فَوْقَهُ، يا دامَ عِزُّكَ، قُبَّةٌ ذَهَبِيَّةٌ،
تبدو برأيي، مثل مرآة محدبة ترى وجه السماء مُلَخَّصَاً فيها
تُدَلِّلُها وَتُدْنِيها

في القدس، لتميم البرغوثي

عند تفكري في الجمال والمظهر، أسترجع ذكرى ضبابية، يُهيئ لي أني كُنت في الحادية عشر من عمري وقتها أو في عمر مقارب، واسمع صوت سيدة تقول لأمي بلكنة حجازية واضحة: “بنتك أروى مو نحيفة، جسمها عادي”. في ذلك السن كان تعريفي لنفسي معتمدًا على رأي الآخرين، كُنتُ أرى نفسي بأعين من حولي. والنتيجة المتوقعة أن تبقى تلك الجملة وذلك التعليق محفورًا في ذاكرتي إلى يومنا هذا.

 مررتُ خلال السنوات الماضية بفترات متنوعة بما يتعلق بمظهري. سواءٌ في أسلوب تنسيقي لثيابي إلى اعتنائي بنفسي، في فترةٍ ما كُنتُ أتمرن تمارين مقاومة وتمارين قلب لمدة ساعة إلى ساعتين ٥ مراتٍ في الأسبوع، واستمرت الفترة لأشهر نتيجتها بنية رياضية وصحية، كُنتُ أرتدي المقاس الذي كُنتُ أطمح لارتدائه، ولسنواتٍ بعدها ورغم تغير نمط الحياة وجدول يومي لا زلتُ أهتمُ بغذائي صحيًا متوازنًا، وبدني نشيطٌ ورياضي. ورغمَ كل ذلك، نادرًا ما وقفتُ أمام المرآة وفكّرت: أنا راضية عن مظهري. بل على العكس، أستطيع في أي يومٍ أن أسرد قائمة طويلة جدًا بما لا يعجبني في نفسي.

من منحنى في أنفي، إلى شعراتٍ متفرقات في حاجبي، واصبعي البنصر الذي يميل بغرابةٍ وشكلُ أظافري الأصغر مما يجب، اوه وألم أقل لكم أن شكل العروق في يدي ذكوريٌ أكثر مما يجوز للأنثى وأن نسبة التباين بين مفصلِ كفي وقطرُ بداية ذراعي (قرب كفي) لا يتناسبُ مع نهاية ذراعي (عند كتفي)، وتكرمش عيناي عند الابتسام والضحك مصيره أن يجلب التجاعيد لوجهي أسرع من المتعارف عليه.

ومن الأفضلِ لك ألا تعطيني مجالًا للحديث عن زيادة الوزن، فقبل أشهر زدتُ خمسة كيلوجرامات لم أستطع التخلص منها إلى الآن وأصبحت بنطلوناتي جميعها ضيقة ومتعبة.

لستُ أبالغ هُنا! حجم النقد الذاتي لم يبدأ قبل لحظات، بل هو تراكمات عشرات السنين والمقارنات والتعليقات والملاحظات.

يبدأ الأمر بملاحظة الآخريات وكيف يبدو مظهرهن في الثياب، الكثيرُ من التغذية البصرية برؤية القريبات والزميلات والصديقات، ويتطور لصور المجلّات، المذيعات والممثلات والعارضات في التلفاز، ثم قنوات التواصل الاجتماعي. من رسمةِ الحاجبِ لطول الأظافر لتناسق الأصابع ونحفُ اليدِّ وانبساطِ البطنِ وتوحد لون البشرةِ .. وتطول القائمة.

كبرتُ ونقاشات الجمال والمقارنات في كل مكان، حديثُ جمعة العائلة حول الشاي والقهوة والمكسرات يدورُ حول فلانة أو أخرى من المشهوراتِ ومقارناتٍ عن الأجمل ومَن مِن العائلة تشبهُ إحدى الجميلات. وإن كُنت سعيدة الحظ وتم تشبيهك بإنسانة فاتنة، ستقضي الساعات والأيام في النظر والتدقيق في صورها وأفلامها باحثة عن وجهِ الشبهِ ومتسائلة ما عوامل الجمال فيها وأين أنتِ منها لتستطيعي فِهمَ الجمال، أو هكذا ظننتُ.

من السهلِ جدًا أن نقول الجمال بلا حدودٍ، وأن الجمال الحقيقي جمالُ الروحِ، الكلامُ جميلٌ لكنه نثري ولا يعطي للمتلقي أي خطواتٍ عملية لتغيير فكرته عن نفسه. ولاسيما أن هذه الجمل الإلهامية، لا تأخذُ في الحسبانِ أن الإنسان يحبُ الجمال ومن فطرته التزين والتطيب. بل وإلى مراحل كبيرة الزينة والجمال من واجبات الدين، والذوق والأدب.

إذًا كيف نوازن؟ أين الأرض المسالمة بين تطرف أني أرى نفسي قبيحة المظهر وبالتالي أحاول تغطيته لنفسي وللآخرين بالكثير من المكياج والزينة ومحاولات الريجيم والرياضة والغالي من الثياب وتطرفِ الثقة الزائدة التي تجعلني أهملُ التزين والأناقة والنتيجة مظهرٌ مشعث يلّوثُ البصر؟

لا أرى إجابة واحدة، لكل شخصٍ منا رحلته الخاصة التي عليه أن يخوضها، باختلاف نشأته وتفكيره والعوامل التي أثرّت عليه خلال حياته. شخصيًا كُنتُ مثل جميع البنات في سني، أعشق التزين واللبس والمكياج وإن كُنتُ لم أفلح فيه لعوامل مختلفة. أذكرُ أني كُنتُ أتطلع لدخول الجامعة بفارغ الصبر لأستطيع أن أخفي هالاتِ عيني السوداء بخافي العيوب وكريم الأساس، ولأكحّل عيني بالكحل الأسودِ وأورّد خداي بالحُمرة اللامعة، وأرسم حاجباي بالقلم البني لتُبرَزَ ملامحي وأصبح “جميلة” نضرة الوجه.

لا أذكر بالضبط إلى متى استمرت هذه المرحلة، مرحلة المكياج يوميًا كل صباح، لكني أذكر أني في وقتٍ ما قررتُ أن أتحدى نفسي لأحب مظهري دون أي زينة، وأن أهتم بنفسي داخليًا بحيث أكسب صفات البشرة النضرة دون الحاجة لعوامل خارجية. طبعًا الأمر أصعبُ مما يبدو، لأن التحدي تطلب أن أغتني بغذائي وشربي للماء ونومي ونظام حياتي.. إلخ. الكثير من العوامل المعقدة جدًا والتي هي أصعب بكثير من أن استخدم مجموعة منتجاتٍ على وجهي تعطيني نتيجة في دقائق.

التحدي هنا بيني وبين نفسي كان على المبدأ، أريدُ أن أكون صاحبة مبدأ: العناية بالنفس تعني العناية بالجوهر لا بالقشور.

ومن هنا بدأ المشوار! مشوار أن تحيا دون كافيين، أو مشروبات غازية، أو منتجات محلاة مهدرجة مليئة بالدسم. وتتوقف عن الوجبات السريعة والحلى (حتى المعد منزليًا). أن تأكل خضرواتٍ وفاكهة أكثر، وتشرب ماءً أكثر، وتمارس الرياضة وتجعل الحركة والمشي جزءً لا يتجزأ من يومك. أن تلغي وجبة العشاء، وتأكل وجبة كبيرة ومتوازنة في الإفطار يتبعها وجبة غداء نظيفة، وتنهي يومك بوجبة خفيفة قبل صلاة المغرب. أن تنام يوميًا قبل منتصف الليلِ ٦-٨ ساعاتٍ نومةً واحدةً متواصلة. لم يعني هذا أني لم أعتني بمظهري الخارجي بل على العكس. أصبحتُ أقدّر مفعول غسول الوجه ومرطبات البشرة وواقي الشمس.

كان التحدي بيني وبين نفسي أن أحافظ عليها كما يجب أن تكون، أن أعود بها إلى أصلها بدلًا من محاولة تلبيس جمال شخصٍ آخر عليها.

هذا التحدي جعلني أنظرُ إلى جوانب أخرى من الزينة، أهمها بالنسبة لي كان الثياب التي أرتديها، منذُ صغري وأنا أقضي وقتي في أحلام اليقظة متخيلة نفسي في عالمٍ موازٍ مرتدية ثيابًا ما، كُنتُ –ولازلتُ- أتخيل ثيابي للعمل، للمدرسة. أتخيل عباءةً ما بتفصيلها، أتخيلُ بدلةً وحقيبة بعينها صممها خيالي حينها، فأصبحتُ أسعى لتحقيق هذه الأحلام، بطريقة أو بأخرى. لباسي الحالي في العمل هو تحقيق لتلك التخيلات. البدلة الرسمية المحتشمة بالكعبِ الأنيق ببساطته وحجاب الرأس المُتناسق بألوان قليلة العدد هادئة المنظر، معطية إنطباعًا بالقوة، الإحترافية والأناقة!

كان التحدي بيني وبين نفسي أن أمنعها من التدقيق في صغائر التفاصيل، كأن تنظر إلى لوحة مبهرة لفنانٍ نابغة، وتتجاهل سحرها لتقرب من قماشِ اللوحة متذمرًا من وجود نقطة حبر زائدة أو ضربة فرشاة غريبة، أو زاوية خط غير متوازية، تفاصيل لو أخدت خطوة واحدة للوراء فلن تراها، تفاصيلٌ قد لا يراها غيرك لدرجة تشك أن عقلك ونظرك يلعبان عليك مقلبًا.

رحلةُ تحديد تعاريفي الخاصة للجمال بدأت منذُ زمن ولا زالت مستمرة، لها تحدياتها! تمرُّ فتراتٌ أنتقدُ فيها مظهري ولا أكون مرتاحة، وأقارن نفسي بصور الأخريات وأتمنى لو رُزِقتُ ما رُزِقن. المهم أني دائمًا وأبدًا أحاول أن أعي بمصدر هذه الأفكار، وأعالج جذور المشكلة.

ففي نهاية المطاف، أنا مخلوقٌ من مخلوقاتِ الله قال سبحانه وتعالى عنها:

( وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ) [ غافر : ٦٤ ]

( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) [ التين : ٤ ]

إذًا المشكلة في منظوري أنا، وليس في خلقتي. وأستشهد لنفسي كيف أن المنظر المقبول يتغير، بمعنى أن “الموضة” قبل عشرين عامًا، نراها الآن قمة القُبح وإنعدام الأناقة في حين أنهم في وقتها كانو يرونها قمة الجمال. وتمضي الأيام ونجدُ أن شيئًا كان يعتبر قبيحًا، أصبح فجأة تعريفًا للجمال يا سبحان الله.

1 Comment

  1. اروى ولكنك حقا جميلة بلا مجاملة ….
    ومما يزيدك جمالا شخصيتك المميزة وروحك الحلوة
    رأيتك دوما متألقة ومتأنقة بشكل استثنائي
    حماك الله

مُشاركاتكم الحكي تُسعدني، فما تحوي عقولكم وتنتج أفكاركم مثيرٌ للإهتمام

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s