مقلمة تلاوين

خلال سنواتِ الطفولة، كانت الوالدة الله يعطيها العافية تحاول توفير متنفسٍ لي ولأخوتي بطرق مختلفة، أحدها كان الرسم والفنون، لم يخلو بيتنا يومًا من الألوان بتنوع أشكالها، من الألوان الخشبية للمائية للزيتية للأقلام وغيرها. أحيانًا تجدها في علبها مرتبة ومنسقة بطريقة مرضية، وأحيانًا أخرى تجدُ مقلمةً مليئة بعشرين نوعًا مختلفًا، فتجد قلمًا خشبيًا أحمر جديد، وبجانبه قلمٌ بني طوله نصف طولِ القلم الأول، يليه قلم حبرٍ أسود فقد غطاءه، ثم قلم شمعٍ أخضر مكسور نصفين يربطهما غلافٌ ورقي أخضر مزين، ومعهما فرشاة جف اللون على شعيراتها متكتلًا في شكلٍ لا تعريف له، وإن أمعنت النظر أو أدخلت يدك للمقلمة باحثًا، ستكتشفُ قلمًا أو قلمين مختبئين تحت باقي الألوانِ، قد يكون لونهما أبيضًا وقد تجدهما مغطيانٍ بزخارفٍ طفين مَلّا من الرسم على الورق واختارا التفنن في الرسم على القلم.

كُنتُ أتضايق من “لخبطة” الألوان، تعلمتُ أن كُل نوع ألوان يجب أن يكون في علبته المخصصة، وكل قلمٍ له مكان. كثيرًا ما أردتُ التخلص من المقلمة بما فيها لأتخلص من “الفوضى”. مع الأيام تعلمتُ أن أقدّر وأحبُّ المقلمة الفوضوية، أن أقدّر القلم الخشبي بني اللون الذي استخدمناه كثيرًا حتى قَصُرَ طوله وإن ضايقني منظره، أن أرى الفائدة في قلم الحبر الأسود المفقود الغطاء لأني استطيع استخدامه أسرع، ولأن الغطاء ضاع، فلا حاجة للقلق من ضياع الغطاء مرة ثانية!

لي أشهرٌ اسألُ نفسي، هل أستطيع تقبّل وتقدير التنوع في الأشخاص، بنفس تقدير الألوان والأقلام المختلفة في نفسِ المقلمة؟

كشخصٍ عنيدٍ يميلُ للمثالية والمعايير العالية أجدُ نفسيًا كثيرًا في حنقٍ وغضبٍ لأن جزءً من المشروعٍ لم يصل لتوقعاتي، لأن فريقًا أو شخصًا لم يجاري طموحي أو دقتي أو سرعتي (في نظري)، أو لأن النتيجة كانت “مختلفة”.

اتسائل أحيانًا إن كُنتُ أستطيع تقدير الشخصِ البطيء “بارد الدم” كما نسميه، أو العصبي الغاضب؟ إن كُنتُ في يومٍ ما أستطيع الإنسجام في حوارٍ مع شخصٍ لا يعجبني لسبب أو لآخر.

هل سأستطيع تقدير الإختلاف في كل الناس، وأعترف لنفسي أن لكلٍ منهم ميزة، وقيمة، وأهمية وإن كانو مختلفين حسب تنصيفي وتعريفي الشخصي؟

لماذا كل هذه التساؤلات؟ لأن هذه الأفكار تؤثر على تعاملي معهم، شئتُ أم أبيت!

إن كُنتُ أرى أن شخصًا غيرَ مثيرٍ للإهتمام بالنسبة لي (وهو شعور وحكمٌ طبيعي جدًا لدى كل الناس، مستحيل كُل الناس تعجبنا)، عادتي لا أستطيع إفتعال الاهتمام أو التركيز. إن لم يهمني كلامك، لن أسمع، سأحاول، ستجدني أركّز عيني عليك، وربما يشعر الشخص بحدة نظراتي عليه، سيميل النصف العلوي من جسمي للأمام قليلًا، قد أركزُ ذقني على يدي، وأهمهم ب: “صحيح، فعلًا، نعم، تمام، حسنًا، واو!، مثيرٌ للإهتمام” لا أعلمُ ما تعابير وجهي وقتها، أو إنعكاس النظرة في عيني. هل يبينُ أني أحاول دون نتيجة؟ هل يظهرُ أن أفكاري حلّقت وسرحت في مكانٍ آخر؟ هل واضحٌ تشتت تركيزي مع أقل حركة أو صوتٍ من حولنا لتتبع عيناي المشتتاتِ بلهفةٍ بحِثًا عن مخرج؟

بل وهل أستطيع أن أسمع فكرةً من شخصً ما، وأخذها في الحسبانِ بإحترامٍ أن الشخص الذي أمامي له منظور وخبراتٌ ذو قيمة؟ 

كثيرٌ من هذه الأحكامِ والأفعالِ تأخذ مجراها في لاوعينا. أشكُ أننا دائمًا واعيين بهذه الميول والتحيزات. بل وأشكُ أننا واعيين بأسبابها! فلماذا حكمنا على هذا الشخص بحكمٍ معينٍ دون الآخر؟ لماذا فضّلنا هذه الصفة على تلك؟ أو هذا الشخص على ذاك؟

أحاولُ حاليًا التخلصَ من بعضِ أحكامي على الأشخاص لأستطيع العمل والتعامل معهم بطريقة أفضل سلسة للجانبين. وتعلمتُ بالطريقة الصعبة أن مواجهة هؤلاء الأشخاص ليس الحل. الحل أن أواجه نفسي، أحكامي، تصوراتي، توقعاتي، وأفكاري.

مُشاركاتكم الحكي تُسعدني، فما تحوي عقولكم وتنتج أفكاركم مثيرٌ للإهتمام

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s