فوضى بال

لا أعلمُ إن كنت تشبهني في هذا الأمر عزيزي القارئ لكني إنسانة تكثر من التفكير الزائد بكثرة (تكرار الكلمة هنا مقصودٌ لتأكيد المعنى وشكرًا)، وأشعر أن عقلي دائمًا متشتتٌ في ألف اتجاه واتجاه، ففي لحظة أفكرُ ماذا سآكل على العشاء واللحظة بعدها أقلق بخصوص مشروعٍ سنبدأه بعد شهرين عن إذا ستكفينا الميزانية المحددة له، وقد أغوص في غابة القلق حيثُ يقفز قردُ عقلي من شجرة لأخرى وأنا أتذكرُ فجأة رسالة يجبُ الردُ عليها أو إتصالًا من المفترض أن يتم جدولته الأسبوع الماضي.

وإذا تحرّك أحد أو سمعتُ صوتًا غريبًا أو نظرة الشخص الذي أمامي توجهت لمكانٍ ما، سألتفت بتلقائية تامة نحو مصدر الصوتِ أو الحركة. 

المصيبة أني لم أكن هكذا!

أكادُ أجزمُ أني كُنتُ أكثر تركيزًا وأقل تشتتًا مما أنا عليه الآن، التشتت وصل لمرحلة أني أنسى أمورًا قد لا تكون بأهمية كبيرة و”لن تنتهي الدنيا إن نسيتها” لكن مجردُ وصولي لهذه المرحلة من التشتت مرعبٌ بالنسبة لي.

أحد أكبر مصادر التشتت وسائل التواصل الاجتماعي، وجدتُ أني أستطيع إدارة وتقنين استخدامي لها عند عملي على مشروع واضح بمواعيد وتواريخ تسليم محددة، لكن إن كانت المواعيد عائمة، غير محددة، مرنة أكثر من اللازم، أو غير مستعجلة، أجدُ في نفسي التسويف وبدرجة كبيرة جدًا. بل أصلُ لمرحلة يصبح فيها التسويف هو الأساس والإنتاجية بالحد الأدنى يوميًا هو الإنجاز المُحتَفَل به.

في كل مرة أحتاج إلى التفكير في نقطة معينة (مهمة ذهنية معقدة) أو البحث عن معلومة محددة (مهمة مملة وصعبة) أجدُ جوالي في يدي مفتوحًا على أحدِ المواقع وأصابعي تمرُ على المنشورات الواحد تلو الآخر، دون أي وعي مني بيدي التي امتدت للجوالِ وفتحت أحد التطبيقات في بضع ثوانٍ لا أذكرها حتى. 

حاولتُ على سنين عدة ولمراتٍ مختلفة أن أتحكم في الإدمان على منصات التواصل الاجتماعي ووجدتُ أثرها الواضح في زيادة تركيزي، وتخفيف فوضى عقلي. قد تكون الخطوات قاسية أكثر من اللازم بالنسبة للبعض لكنها ناسبتني شخصيًا. وهذا أهم شيء، أن تناسبك الخطوات وتناسب شخصيتك وسلوكك.

  • حذف تطبيقات المنصات لفترة لا تقل عن أسبوع، دون أعذار!

عذري الدائم كان أني أحتاج تويتر للتغريد عن عملي والبرامج التي نقوم بها، وأني أحتاج انستاقرام لأنشر صورة كجزء من الكتابة اليومية التي تعهدتها على نفسي. كُن واعيًا أن هذه كلها أعذار! لا يعني أني أكذبُ على نفسي، بل على العكس، أجدُ في نفسي دافعية غير معتادة في التغريد المفيد والإلتزام بالتدوين اليومي، وكأن عقلي يشنُّ عليَّ عراكًا ذهنيًا لنرى من منَّا يفوز! ما فعلته في آخر مرة أني حذفتُ المنصات من الجوال، وفي حال احتجت تويتر للعمل مثلًا، فتحته من اللابتوب. وبالنسبة لعذر التدوين في انستاقرام استبدلته بالتدوين في مذكّرات ورقية. إن كان عقلي سيحاول اللعب معي، فسألعب معه!

لماذا حذف المنصات لأسبوعٍ على الأقل؟ هي فترة قصيرة تعتبر، لكني وجدتُ أني لو اقنعتُ نفسي أن أحذف المنصات (وأتركها محذوفة) لمدة أسبوع واحد، هي فترة قصيرة كفاية لكيلا أستصعبها، وفي نفس الوقتِ إذا أكملتها، الراحة الذهنية والنفسية والهدوء الداخلي الذي أشعر به يدفعني لتمديد فترة الحرية.

  • تقليل عدد المنصات عمومًا.

بين واتس اب، وسناب شات، وانستاقرام، وتويتر، ويوتيوب، وتيك توك، وباث، وفيسبوك، ولينكد ان وغيرها. يصبحُ متابعة الجديد في كل شيء مهمة تستغرق كامل وقتك وتركيزك الثمينين! حّدد أي منها مهمٌ فعلًا، وتخلّص من الباقيين.

ساعدتني هذه الخطوة في تقليل تشتتي وإحساسي بالـFOMOأو شعور أن الدنيا تمشي وأنت وحدك متروكٌ خلفها إن صح لي التعبير. استخدم حاليًا تويتر بشكل جدي واحترافي، انستاقرام بشكل شخصي، لينكد ان مرة في الأسبوع، وسناب شات مرتين إلى ثلاثة أسبوعيًا.

  • حدد هدف واستخدام لكل منصة

أي منها شخصي، وأي منها عملي، ما نوع المحتوى الذي تبحثُ عنه في كل منصة؟ هل فعلًا تتابع الحسابات والصفحات التي تساعدك في تحقيق هذا الهدف؟

شخصيًا استخدم تويتر لمشاركة الجانب الجدي مني، ويغلب عليه تغريدات وإعادة تغريد لأخبار مجال ريادة الأعمال وأخبار البرامج التي أعمل عليها شخصيًا أو المنطلقة من مركز ريادة الأعمال بكاوست (حيثُ أعمل). بإختصار إذا كُنتُ تريد متابعة أخبار ريادة الأعمال في المنطقة من تطورات وبرامج، ستجدُ في حسابي القليل من المعلومات التي أرجو أنها مفيدة. في المقابل انستاقرام هو مساحتي الشخصية، مساحة التأمّل والتفكّر وممارسة هواية التصوير. والكثير والكثير من الـMemes  وهي إدمانٌ خطيرٌ جدًا في حد ذاتها. لينكد ان لتحسين صورتي عمليًا وإحترافيًا (التسويق لإنجازاتي بإختصار) والإطلاع على إنجازاتِ الآخرين عمليًا.

  • ألغِ متابعة العائلة والأصدقاء

صدقني، لا تحتاج أن تتابع جميع أفراد العائلة وكل الأصدقاء في كل المواقع والمنصات لتصل رحمهم أو تبقى على تواصلٍ معهم. إلا في حال كان المحتوى الذي ينشرونه فعلًا فعلًايهمّك وتتابعه لتأثيره عليك وليس رغبةً في معرفة آخر أخبارهم أو مستجداتهم.

  • قلل أو ألغِ التنبيهات

من أكثر الخطوات التي صنعت فارقًا في يومي هو إلغاء التنبيهات، فلا بريق ولا مربع نصٍ يظهرُ لي على شاشة الجوال، ولا حتى دائرة حمراء عند ايقونة التطبيق تستفزني كلما رأيتها. إلغاء التنبيهات أعطاني شعورًا بالحرية والتحكم، فأنا أستطيع الإطلاع على التحديثات وقت ما شاء لي، وليس وقتِ ما بدى للتنبيه أن يظهر. طبعًا في البداية وجدتُ أني أفتح التطبيقات أكثر من قبلٍ وبشكل تلقائي، لكن مع الوقت ومع الإنشغال أصبحتُ أنسى وجود المنصات، وأنسى فتحها.

  • غيّر مكان التطبيقات

هي لعبة على العادة، ليصبح فتح التطبيق أمرًا غير تلقائي، لن أدعي أن تغيير مكان التطبيق في جوالك سيجعلك تفقده أو تنساه مثلًا، على الإطلاق! لكن تغيير المكان سيجعلك تنتبه وتعي في كل مرة تتجه يدك لفتح أحد التطبيقات بتلقائية، مما يعطيك نافذة تسمحُ لك بإيقاف الفعل التلقائي، وتقليل عدد مرات فتحك للمنصات.

  • سامح نفسك على كسر القواعد

إن قمت بتحميل أحد التطبيقات وفتحتها، وأضعت ساعة من وقتك في تصفح آخر أخبار الشعب، “مهي مشكلة، وعادي” عاود حذف المنصات من جوالك، وعد لخطتك الأساسية. 

أمرُّ حاليًا بأحد هذه الفترات من محاولة التركيز، وأطبّق حاليًا استراتيجية رقم ١! وفي أول الأيام كنت أشعر بفراغٍ كبيرٍ جدًا، ولا زلت، وإن كُنتُ الآن أقدّر الوقت الإضافي التي فُسِحَ لي لأستطيع القيام بأمور أخرى قمت بتسويفها كثيرًا (ككتابة هذه المدونة على سبيل المثال).

قد تطبّق أكثر من استراتيجية أو خطوة في نفس الوقتِ، لا مشكلة في ذلك، الأهم أن تكون تناسبك، وأن تعي بسلوكك وفعلك وأفكارك. هل هذا الحل الجذري وسأكون من الآن وصاعدًا لبقية حياتي إنسانة منجزة ومركّزة؟ أشك!

لكنها بداية.

إذا قمتم بتجربة أي استراتيجية لزيادة تركيزكم سأسعد بمشاركتكم ونقاشكم عبر تويتر أو البريد الإليكتروني: 

@ArwaShafi   |          ArwaAshafi@gmail.com

مُشاركاتكم الحكي تُسعدني، فما تحوي عقولكم وتنتج أفكاركم مثيرٌ للإهتمام

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s