رمضانُ الأهل

رمضان شهرُ الأهل والعائلة، لو ننظر لما نعرّف به رمضان، أغلب العادات والتقاليد مرتبطة بالناس، بدءً بمائدة الإفطار الممتدة مع الأسرة أو الأصدقاء أو الإجتماعات العائلية، إلى تنوع الأصناف الذي لا يُبرر إلا بكثرة الصائمين، البرامج التي نتابعها ونناقشها مع بعضنا، صلاة التراويح التي نخطط في أي مسجدٍ نكسبها ومع من نتشاركها، اللقاءات الروحانية والإجتماعية التي تزداد وتتضاعف خلال الشهر ونقابل فيها المزيد من الأشخاص.
لذلك رمضان وحدك صعبٌ جدًا، سواءٌ كُنت حديث بيت جديدٍ متزوجًا أو مغتربًا لعمل أو دراسة. رمضان أكثر شهرٍ شعرتُ فيه بالوحدة والضعف!
هذا العام، هو رمضاني الثالث في منزلي الصغير، أتى على غفلةٍ مني في وقتٍ مُتعبةٌ فيه من العمل والتحديات، لم أعي وصوله إلا قبل أسبوعين من تاريخه، وأسبوعين كانتا مليئتين بالأشغال فلم تتح لي فرصة الإستيعاب أو التجهز، وأتى في وقتٍ ضعف فيه بدني ونفسي فكان للصيام وإختلاف الجدول اليومي أشدُّ الضرر على بدني.

رمضانُ العام الماضي كان لطيفًا، كان المطبخ رفيقي فيهِ والرفقة المدعوةُ لمائدتي ونقاشات رمضان خيرُ جليسٍ لي، وكُنتُ متهيئةً له، رمضاني الأول هُنا كان بئيسًا وكئيبًا. الحمدلله أنه انتهي وعدّى!

لماذا رمضان صعبٌ على المغترب (قريبًا كان أو بعيدًا)؟

١. أغلبُ عادات رمضان جماعية، حتى صلاة التراويح عادةً نذهبها مرافقين بأخوةٍ أو والدين أو أصدقاء، مما يسهّلُ الإنضباط وإتباع نظامٍ كُلُّ من حولك يتبعك ويشجعك عليه، لا مجال للتفكير أو اتخاذ القرارات.

٢. تغيير نظام الحياة في رمضان كبير، فتغير مواعيد الأكل يؤثر على الإنتاجية والنوم والحياة الإجتماعية، النتيجة قد تكون إرهاقًا وتعبًا ولخبطةً وغيرها. ملائمة التغييرات مع الإلتزامات والمسؤوليات الأخرى يكون تحديًا في ذاته ويتطلب تخطيطًا وتجهيزًا مسبقين.

٣. الإنسان بطبيعته يحنُّ ويشتاق لما يألف ويعرف، مشاهدة الأصدقاء والأقرباء يشاركون أجواءهم وأنشطتهم الرمضانية بدونك يجعلك تعاني من قلق أن “الدنيا تفوتك”

والحل؟

عندما كُنت أشارك (أتشكى لقول الحق) من عدم إحساسي برمضان أو روحانيته، كانت النصيحة الأكثر تكرارًا هي: الروحانية هي فعلٌ تقومي به، وقرارٌ تقرريه. النصيحة مستفزة لأنها تضع كامل المسؤولية عليّ، وهي صحيحة وسليمة تمامًا وقمة العقل.

لن أدعي أني وجدتُ “الحل” الذي سيجعل رمضان مستقبلًا أفضل وأكثر روحانية وإنتاجية عباديًا، وبالتأكيد يجبُ أن أتجهز بشهورٍ قبل رمضان لأتجهز للشهرِ الفضيل بما يناسبني، لكن أحيانًا الخطوات البسيطة فعّالة، وهذا ما حاولت فعله.

١. إحدى مشكلاتي الكبرى في رمضان الإرهاق، وجبة الإفطار الساعة ٧ مساءً، أكون بعدها متعبة ومرهقة، النوم حول ١١، سحور ماء وتمرة، قلة الغذاء نتيجته زيادة في النوم تصل إلى ١٢ ساعةً على الأقل، يظل الإرهاق موجودًا نهارًا مع الصيام، والنتيجة إنتاجية تقارب الصفر وإرهاق جسدي يسببان إرهاقًا نفسيًا وغضب. الحل كان أن أحسّن من تغذيتي. وأعترف، مهما كانت “شخصيتك قوية” ولا تمانع الأكل وحدك، وجودك مع أشخاص ترتاح في الأكل معهم وتوفر غذاء تحبه يفتحان من شهيتك.

٢. العامل الآخر فقداني للروحانية، بسبب التعب لم أكن في أي حالة تمكني من قيام صلاة التراويح ولم يكن حولي مجموعة تحمسني (وتغصبني)، على العكس. الإنضباط ليس سهلًا، وخصوصًا في ضعف الإنسان، وجود دائرة دعم حولك تساعد كثيرًا، إذا تريدُ إتباع نظامٍ أو روتينٍ ما؟ أحط نفسك بأشخاص يشاركوك إياه، يخفف بذلك عناءَ مجاهدة النفس وعناء الترتيب والتخطيط والتقرير.

عندما بدأ الشهرُ وأدركتُ أنه يفوتني، حاولتُ أن أقوى على نفسي لأتخذ خطواتٍ عملية لتحسين تغذيتي وروحانيتي في الشهر، لم تكن الخطواتُ فعّالة لعوامل أخرى كثيرة لا يتسع المقام لذكرها. فقررتُ أن أزيد إجازتي في الشهر وأذهب لبيت أهلي، خمسة أيام من التدليل والإهتمام ومشاركة العائلة في نظامها وروتينها كانت كفيلة بوضعي على الطريق الذي أحتجته، ليس سهلًا أن تترك مسؤولياتك وعملك فجأة، لكن من وقتٍ لآخر تحتاجُ النفسُ أن يطغى جانبها لترتاح وتقوى.

الله يكتب رمضان دائمًا لنا ولكم مع أهلكم وأحباءكم، ويقوي المتغربين فين ما كانوا ويرزقهم الرفقة الخيّرة ويتولاهم بلطفه

رمضانكم كريم!

One thought on “رمضانُ الأهل

  1. لكل حلم تضحية لكن لا بأس بأن نأخذ إجازة من أحلامنا التي تلاحقنا

مُشاركاتكم الحكي تُسعدني، فما تحوي عقولكم وتنتج أفكاركم مثيرٌ للإهتمام

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s