بحثًا عن التوازن

كشخصٍ يعشق الإنجاز، أجد نفسي كثيرًا ما أغرق في العمل غرقًا دون حدود، الموازنة جدًا صعبة عندما تحب أن تعطي كُل ما لديك للعمل الذي يحملُ شغفك وإهتمامك. في البداية سيكونُ كُل شيء على ما يرام، لكن سيأتي يومٌ تجدُ أنك قصّرت في حق نفسك والجوانب الأخرى في حياتك من أجل عملك أو دراستك والتي لن تكتفي وستظل متطلبةً لك بإستمرار.

وصلتُ لهذه المرحلة عندما وجدتني لا أملك الوقت لممارسة الرياضة، أو القراءة، أو كتابة المدونات كما كُنت أحب، عندما غمرني التوتر والقلق المستمرين، وعندما وصلت لمرحلة الاهتمام زيادةً عن اللزوم. رغبتي في الوصول للكمال في كل مخرجاتي تجعلني أعمل أكثر، لساعات أطول، “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه”، المحيّر في الأمر، متى تعرف أنك اتقنت العمل ولا تحتاج أن تبذل أكثر مما بذلت؟

ما يثير الحيرة أكثر، حين تجدُ أحدُ العوامل يصرخ أنك نجحت، وعاملٌ آخر يقول لك أنك فشلت ولا تدري أتسمع لهذا أم لذاك.

لأكون واضحةً وصريحةً مع نفسي، النقطة التي جعلتني أقف وأقرر تهذيب نفسي ومحاولة إدخال جوانب أخرى في حياتي هي عندما تعرضت لمواقف عدةٍ مع زملائي بيّنت لي إختلاف منظوري للأمور، والذي يتسبب كثيرًا عمدًا أو دون قصدٍ في مشكلات ودراما ومشاعر بداعٍ أو بدون. المشاعر شيءٌ لطيف، كثرته وإعتماديته على الإفتراضات والتحسسات “يجيب العيد”، لكن ليس هذا موضوع اليوم.

بحثًا عن التوازن هو مشروع أطلقته بيني وبين نفسي، أحاول فيه التركيز على جوانب مختلفة فيَّ وفي حياتي بالإضافة لعملي الرهيب. أحد أهم أهدافي الأبدية أن أعيش صحية، ولا أعني بذلك أن يكون لدي كتلة عضلية وجسم مشدودٌ فحسب، مُناي ورغبتي أن أقي نفسي شر الأمراض الوراثية والجينية وأرذل العمر، بدءً من السكري والضغط والكوليسترول وصولًا للسرطان والزهايمر وغيرها. قبل عدة سنوات ركّزت على ممارسة الرياضة والطعام الصحي والموزون قدر الإمكان، تطبيقًا لمقولة: “نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع”، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم :” ثلث لطعامك، وثلث لشرابك وثلث لنفسك “.

مع الوقت ولأعذار كثيرة لم تعد الرياضة جزءً لازمًا من يومي، بالكاد أحاول الإلتزام بتمرين اليوغا الأسبوعي أو المشي قبل الإفطار أو صباحًا، كتجربة لشيء جديد قررت التركيز على ما آكل فضلًا عن الحركة والرياضة. وهنا اتخذت القرار المصيري بأن أركّز على الطبخ.

أعترف أني سابقًا كرهت الطبخ وتجنبت تعلّمه لأن السبب والدافع كان: “اتعلمي تطبخي لتأكلي زوجك ولا كيف حيعيش المسكين؟ أتعلمي تطبخي ولا كيف حتفتحي بيت؟”

كعادتي المتمردة، قررت “ما أتعلم اطبخ”. وأعترفُ أن جزء صغير مني فخورٌ بأني فتحت بيتًا دون زوج، وعشت لأشهر طوال دون أن أطبخ ودون أن أصبح برميلًا كما كانت المقولات تدعي وبذلك كسرت –لنفسي على الأقل- كُل التشرطات التي كبرنا نسمعها وكأن الدنيا محصورة بها.

اليوم، أنا سعيدة أن دافعي للتركيز على الطبخ هو إهتمامٌ بنفسي، وبصحتي، إحساسٌ بالحرية جميلٌ جدًا عندما تشتهي شيئًا وتقوم بتحضيره بيديك، أو الأعجب كيف مجموعة خضروات وبهارات وحرارة نارٍ تنتج نكهاتٍ مختلفة لذيذة أو غريبة، مُدهش!

بإختصار، استراتيجيتي في موازنة حياتي ليس في أن أضع حدًا لعدد الساعات اللي أعملها أو متى أعمل، إنما أحاول أن أركز على بناء وتنمية جوانب أخرى تملأ يومي وعقلي وإهتمامي، وبذلك أتوقف عن العمل تطلعًا للتجربة الجديدة والمدونة التي أفكر بها والمغامرة التي أتخيلها. “توفير البدائل مقابل حرمان النفس”.

المطبخ صديقي الجديد، والمدونة صديقي العائد، لعل وعسى ألتزم هذه المرة!

5 thoughts on “بحثًا عن التوازن

  1. بالحديث على التوازن و الاتقان الغير مطلوب احيانا .. مره شخص عزيز أهداني نصيحة “قيسي مقدار القيمة والجهد للجزء الذي يزيد إتقان العمل من 99.3 الى 99.5% ، اذا كان كانت القيمة المُضافة تستحق الجهد المبذول ، فأمضي قدما واعملي ، اذا كانت لا تستحق فالاولى لك ولنفسك اشغالها بما يعود لك بفائدة اكبر لها ” ونصيحة اخرى ذكرها ” احيانا نحطم نفسنا بنفسنا لمن نفكر باشياء بسيطة اكتر من اللازم ، خليكي ذكية واعرفي أولوياتك ”
    عني شخصيا ك perfectionist صعب عليا جدا تطبيقها ، بس بافتكرها كل مره وأحاول

  2. ما شاء الله تبارك الرحمـٰن.. الله يوفقك يا أروى موضوع جديد جميل لامس جزء واقعي و كبير من حياتي شخصيا.. استمري في الكتابة و ساستمر بالقراءة

  3. وفقك الله في مشروعك الجديد ويسر لك كل السبل لتحقيق التوازن المطلوب 🙂
    وكعتاب أقول: اشتقنا تدويناتك، فعودي للتدوين أكثر🌸

  4. أحسست انك تتحدثين عني ..كل امرأه طموحه يمكن أن تغرق في العمل والمسئوليات. تشبه قصتي قصتك..مع الاختلاف ..أغرقت نفسي في العمل هربا من ذاتي بعد طلاق من زواج دام ثمانية عشرة سنه وبدأ وانا ذات ثمانية عشر عاما..حياه جديده وطريقة للهروب من ذاتي وجدتها في العمل والعمل والعمل ..توقفت عن الرياضه والقراءة..ثم توازنت بعد سنه والعديد من الدورات وجلسات مكاشفة النفس ومصارحة الذات ..سامحت نفسي وسامحته وتقبلت حياتي وبدأت رحلة التوازن . ما زلت احب عملي فهو شغفي ولكني لا اغرق فيه ولا أهرب من نفسي من خلاله.

مُشاركاتكم الحكي تُسعدني، فما تحوي عقولكم وتنتج أفكاركم مثيرٌ للإهتمام

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s