الإدخار: مرآة تقليل الإستهلاك

محتوى المدونة التالية هو نتاج تجربة شخصية، مرتكزة على تجارب وقراءات وإهتمامات أثمرت نتائجها

الإدخار عادة بدأت معي منذ الصغر، لا أذكر متى أو كيف بدأ، لكني أذكر أني في المرحلة الثانوية كُنت أحتفظ بمصروفي اليومي كاملًا إلا ريالًا أشتري به قارورة ماء تروي عطشي، لم تكن خيارات المقصف المدرسي بالنسبة لي مُشبعة أو مغرية، كانت الوالدة حماها الله لا تُخرجنا من المنزل قبل فطورٍ دسمٍ، وعندما نعود من المدرسة -حول الثانية ظهرًا- يكون الغداء جاهزًا.

من منا لا يُحب طبخ أمه؟ نتيجةً للفطور المشبع لم يكن الجوع يُداهمني إلا على آخر حصتين في المدرسة، وحينها تكون الحيرة أني لو أكلت فسأشبع ولن أستمتع بغداء أمي.

بدأ الإدخار معي نتيجة أسلوب حياةٍ سليمٍ وصحي، فطور وغداء مشبع ومغذي في البيت أستطيع بهما الإستغناء عن صرف أي مبلغ في الفسحة. وتطورت ذاتُ المنهجية عندما دخلتُ الجامعة، رغم ساعات الدوام والمحاضرات المختلفة والتي قد يمتد بعضها للعصر، كُنت أفضل أن آخذ وجبةً خفيفةً من البيت تسكتُ جوعي على شراء شيءغير مضمون صحيًا ولا غذائيًا من الكافتيريات المختلفة في الجامعة.

في الجامعة كانت هناك إضافة جميلة مُحببة! بديل للمصروف اليومي، أصبح هناك مكافأة شهرية!

لا زلت أتذكر في أول شهر في حياتي الجامعية، وأول مكافأة تصلني في حسابي، أتذكر موقع الصرّافة التي سحبتُ منها المبلغ، وأتذكر من كان يرافقني في تلك اللحظة وشاركني أول عملية سحب من آلة، إحساس أني كبرت وأصبح لي مصدر دخل مستقل عن أسرتي كان لا يُقاوم. لا أتذكر متى بدأت فكرة الإستقلالية المادية، لكني أعرف أنها كانت ولا زالت دافعًا وموجهًا لسلوكي المالي بشكل كبير.

خطتي في فترة الجامعة كانت بسيطة جدًا وتنص على الإعتماد على منزل عائلتي للحصول على مئونة الغذاء، تجنّب التسوق طوال العام وتقنين مشترواتي، ولحسن حظي، كُنت أدرس إدارة أعمال، ولم أكن بحاجة لشراء أدواتٍ أو كتبٍ أو أي تكاليف دراسية، وأعترف أن هذا عامل مُساعد جدًا.

في كل مرة تصلني المكافأة الشهرية، كُنت أستقطع منها مبلغًا وأضعه في ظرف خاصٍ للإدخارٍ مخفيٌ في درج القرطاسية بين الكثير من الأوراق والأظرف المشابهة للتمويه، وكنت لا أفتح هذا الدرج إلا نادرًا، فكنت أنسى أن لدي مبلغ مُخبّأ، وهذا هو الهدف. فكنتُ أجهز عقلي ونفسيتي أن المبلغ المتبقي هو المبلغ الذي أقدر على صرفه، وكأنه المبلغ كاملًا.

لنقم بحسبةٍ بسيطة، هل تعلم عزيزي الطالب الجامعي أنك لو أدخرت٥٠٠ ريال شهريًا سيصبح لديك ١٢ ألف ريالٍ خلال عامين؟ دون أن تعمل أو تتعب، فقط شد لجام مصاريفك قليلًا.

بدأت منذ سنواتٍ باستخدام تطبيقٍ لمتابعة مصروفاتي (شخصيًا استخدم مصاريف، لأنه عربي وبأيدي شباب سعوديين، وإن كان التطبيق بحاجة لبعض التحديثات والتطويرات) في البداية سيكون مُتعبًا وسهل النسيان أن تسجل المصروفات ولاسيما الصغير منها كل يوم وطول الوقت، لكن مع الوقت ستتعود خصوصًا عندما تلتمس الفائدة. رأيت أعظم فائدة أني نهاية الشهر عندما أُصدم بالمبلغ المتبقي من راتبي، أستطيع ببساطة أن أفتح التطبيق وأرى أين ذهبت ريالاتي. أصبح عندي معلومات، ومعرفة! هذه المعلومات سهلت علي أن أعرف مواطن الضعف في إستهلاكي وكيفية تقنينها. لاحظت أني لو تناولت الإفطار في المنزلِ سأوفر على نفسي الكثير، وأني لو تخليت عن وجبة العشاء اليومية خارجًا واستبدلتها بوجبة خفيفة في المنزل سلمت محفظتي وصحتي! هذا مثال شخصيٌ بسيط، الفكرة أن تعرف أين تطير أموالك وكيف تستطيع الإمساك بها.

الآن أعيش حياة مستقلًا عن أسرتي ماديًا وجغرافيًا، أدفع الإيجار وأشتري المقاضي وأدفع للمواصلات عندما أحتاجها وأفتقد فطور وغداء أمي، في الشهور الستة الأولى كانت مصروفاتي وأرقامي مشعترة ومتذبذبة جدًا حتى استقرت، مع كل مصاريفي الحياتية والشخصية، يوم نزول الراتب، هو يوم تقسيمه، جزءٌ للإدخار أنسى وجوده وإمكانية صرفه تمامًا، جزء للمصاريف الشهرية المتكررة كالإيجار وفاتورة الجوال والإشتراكات وغيرها وهو الجزء الأكبر، وجزء متبقي لمعيشتي ومشرواتي وهو الجزء الأصغر.

وضعتُ لنفسي سياسةً، لدي قائمة بأمنيات شرائية تشمل حقيبة باهظة الثمن بتصميم معينٍ، ومكنسة روبوت ينظف البيت بلمسة تطبيق، وطابعة صور جوال وغيرها، تقوم سياستي على أن لا أشتري أي من هذه الأشياء بداية الشهر، بل أنتظر لنهايته لأرى ما تبقى من جزء المعيشة من الراتب، إن كان كافيًا لشراء أحد الأمنيات كافأت نفسي بشراءه، وإن لم يكن كافيًا فسأنتظر لنهاية الشهر التالي  وفائضه، إن كان المجموع كافيًا اشتريته، وإن لا فسأنتظر للشهر الذي يليه، وهكذا حتى أصل للمبلغ المحدد.

الهدف الأساسي هو تهذيب النفس والتحكم في الإستهلاك. كُلما كان تحكمك في إستهلاكك ووعيك به أعلى، كُل ما كان لك اليد العُليا على أموالك وراتبك. والتحكم يبدأ بالمعرفة، إذا عرفت أين تذهب ريالاتك كل شهر، ستعرف ما الذي تحتاج لتغييره. والتغييرات عادةً تبدأ صغيرة، كتقليل باقة الإتصالات لأنك لا تستهلكها كلها، أو إلغاء الإشتراك في الموقع الفلاني الذي لم تعد تستخدمه، أو تقليل عدد مرات أكلك في الخارج خلال الأسبوع، أو إستهلاك طعام المنزل قبل إنتهاء صلاحيته، أو تأجيل شراء شيء ما حتى يحين وقتٌ مناسبٌ أكثر.

تقنيات إضافية مساعدة: تأجيل شراء الأشياء يساعدك أيضًا في تقييم أهميتها وأولويتها عندك، كل ما استطعت العيش بدون شيء ما ستعي أنه كماليٌ وأنك لا تحتاجه وقد تقرر الإستغناء عنه وعدم شراءه. تقليل عدد مرات الذهاب إلى السوق أو تصفح مواقع التسوق الإليكترونية سيقلل ويضعف رغبتك في الشراء.

يبقى السؤال كم أدخر؟ الإجابة تعتمدُ عليك كليًا، وعلى شخصيتك، إن كنت تستطيع أن تشد على نفسك من البداية وتدخر نسبةً كبيرةً مثل ٣٠-٥٠٪، أو التدرج بأن تبدأ بنسبة ٥٪ أو ١٠٪ من دخلك الشهري أو حتى مصروفك اليومي.

نهاية الأمر هي عادة، مع الوقت والممارسة تصبح هي النظام الأساسي لحياتك وعقلك وإستهلاكك. والإدخار سلوك شخصي ومخصص، بالنسبة لي كان سهلًا الإستغناء عن شراء الهدايا والملابس دون حاجة، أو تغيير نظامي الغذائي لتقليل إستهلاكي، فما الذي يسهل عليك الإستغناء عنه في مصاريفك اليومية والشهرية؟ ابدأ به..

وأخيرًا، ماذا تفعل بالأموال بعد الإدخار؟ تستثمرها.. وهذا مجال بدأت أتعلمه ولا أعرف عنه إلا أقل القليل، لكن أكل اللوز حبة حبة ..

تقليل الإستهلاك سيساعدنا اليوم في التعايش مع ضريبة القيمة المضافة، تقنين المصروفات يساعدنا في الإدخار والإحتفاظ بالمال، ومن ثم يأتي الإستثمار وهو الخطوة المتقدمة في كيفية تشغيل هذا المال الراكد.

ففي نهاية الأمر ليس الغني من امتلك الكثير من المال، بل الذي تجاوز دخله قيمة مصروفاته.

One thought on “الإدخار: مرآة تقليل الإستهلاك

  1. استمتع دومًا بقراءة تدويناتك التي تعكس تجاربك الواقعية من حياتك، خصيصًا كما ذكرت أنك بعيدة عن اهلك وغيرهم.
    بالنسبة لي فمن ضمن اهتمامي بموضوع التبسيط وعيش الحياة البسيطة يبرز جزء ‘الادخار’، والذي هو فعلًا سيكون أسهل إذا ما استثنينا ما لا نحتاجه.
    استخدم تطبيق monefy وهو قريب من تطبيق مصاريف لكن أراحني استعماله أكثر، وبالفعل مع الأيام يعتاد المرء على هذه العملية
    شكرًا لنصائحك الجميلة كلها، ولواقعيتك في ذكر أن كل إنسان يختلف عن الآخر
    بودي لو تكتبين عن موضوع الاستثمار الذي ذكرت في حال تشتكلت لديك خبرة كافية عنه
    وأتمنى أن لا تحرمينا جديد تدويناتك وتجاربك ؛)

مُشاركاتكم الحكي تُسعدني، فما تحوي عقولكم وتنتج أفكاركم مثيرٌ للإهتمام

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s