الغش: إعترافٌ بالغباء

اليوم وقفتُ كمراقبة على إمتحان نهائي لأول مرة، لمدة ساعتين ونصف.

ساعتين ونصف مع تحدي أن تشغل نفسك وأنت واقفٍ، أو متنزه بين الصفوف. خلال الساعتين والنصف أكادُ أجزمُ أني فهمتُ تمامًا تصرف كل مراقبة رأيتها في حياتي: الملل الشديد! فاستخدام الجوالات غير مسموح لكيلا تتشتت الطالبات بالطبع. فتصبح وسيلة الترفيه المتوفرة هي التأمل في الطالبات وأشكالهن أثناء الإمتحان، أو محاولة إستراق النظر لأوراق الإمتحان لأرى ما المادة وما المحتوى العلمي. وأقصى تسلية أن أرى ما الأنماط التي يمكن أن أرسمها بحركتي بين الصفوف والطاولات.

ثم كانتِ الصدمة، حينما اكتشفنا طالبةً تغشُ من جوالها، وبصراحة؟ كان حدثًا مؤلمًا. أن تُخرج المُراقبة الجوال من يدي الطالبة وترفعه وتحدثها -مهما كان الصوتُ خافتًا- ثم تأخذ معلوماتها وتجعلها توقع على تقرير الغش، فضيحة بجلاجل! في تلك اللحظة تمنيت لو تنشق الأرض وتبتلعني وأنا أشاهد كُل ما يجري أمامي، لأني أتفهمُ تمامًا إهتمامها الشديد بالدرجات وإن لم يكن مُبررًا. أن تُخطأ أمر، وأن تكشفَ أمرٌ، أما أن تفضح فذلك أمرٌ آخر.

الغريب أن إكتشاف الغش أتى بعد فحصي للطالبات في صفوفي واطمئناني أنهن بريئات -والإمتحان أصعب وأطول من أن يضيعن الوقت في الإلتفاتِ يُمنةً ويُسرة-. غشُ الطالبة إعترافٌ منها أنها لا تثقُ في نفسها ومذاكرتها وفهمها . عندما يغشُ أحدٌ في الإمتحان فهو يقولُ بوضوحٍ: “أعتقد أني لستُ ذكيًا بما فيه الكفاية لأذاكر وأفهم ما فهمه وتعلمه الملايين غيري، لذلك سألجأ لطريقة السهلة وأعتمد على الوصول للدرجات بنقل المعلومة”.

وهو أمرٌ مُحزنٌ حقًا! فهل شخصٍ إذا بذل الجهد الصحيح سيتعلم ويفهم، وإن كان لدى الطالبة ظروفٌ منعتها من المذاكرة، فليس ذلك عذرٌ للغش! كونها لم تجد الوقت لتذاكر لا يعطيها الحق لإختصار الطريق الصعب على نفسها، فمن القناعة أن ترضى وتكتفي بما تستطيع فعله في ظلِ ظروفها أيًا كانت.

في نفسِ الإختبار دخلت طالبة متأخرة ٤٩ دقيقةً بسبب الطريق، كانت متوترة جدًا بالطبع وبدأت إمتحانها ويدها ترجف، وسلّمت ورقتها عند نهاية الورقة وقد بقي سؤال لم تحله، لكنها تقبلت أن تأخرها نتج عنه نقصها، حلّت في الباقي كما تستطيع وسلّمت أمرها لله.

كثيرًا ما نستهين بالغش، على الرغم من أنه يعكس مشكلاتٍ نفسيةٍ ومعنويةٍ وإيمانيةٍ لا يُستهان بها.

عزيزتي الطالبة وعزيزي الطالب، المرة القادمة فكّر قبل أن تغش أو تساعد في الغش، فأنتَ أذكى من أن تعتمد على غيرك في تحصيل درجات علمك.

مُشاركاتكم الحكي تُسعدني، فما تحوي عقولكم وتنتج أفكاركم مثيرٌ للإهتمام

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s