إعادة ضبط، مصنع أنماط الحياة

في ذاتِ يومٍ كُنتُ في جمعةٍ مع صديقاتي من المرحلة الثانوية، نحاول معاودة التواصل الذي انقطع قبل أكثر من ثلاث سنوات، وأنا ألقي تحية الوداع بادرتني إحداهنَّ سائلةً: “يلا يا أروى إنتي على تخرج متى نشوفك عروسة؟”. هذا الموقف البسيط يفضحُ الصورة النمطية التي نملكها كمجتمع عن الحياة، ففي منظورنا هُناك طريقة واحدة مثالية وصحيحة للعيش، أي طرق أخرى لا تصحُ وليست ناجحة. فالأنموذج المثالي أن يولد الطفل، فيكبر، ويدخل الروضة، ثم التمهيدي، ثم المرحلة الابتدائية، ثم المتوسطة فالثانوية، إن كان متفوقًا فلابد أن يصبح طبيبًا أو مهندسًا! وإلا عيب، وأضاع حياته وقدراته ومهاراته، فإن اختار إدارة الأعمال فهو مسكين! شهادة وضيعة كان بإمكانه اكتسابها من الدورات أو شهادة دبلوم. الفتاة في الجامعة فترة الزواج، في بداية كُل عودة دراسية بعد إجازة تبحثُ الأعين في الأصابع عن دبلِ الخُطوبة، وكُلما اقتربت من التخرج زادت حدة البحث والتلهف والانتظار والتساؤل لماذا فلانة لم تُخطَب بعد؟ تزوجت، ننتظر المولود الأول. إذا تخرجت من الجامعة فأمامها قرارٌ مصيري ومحوري، البحث عن وظيفة -إن سمح لها زوجها- أو إلتزام البيت لتصبح مربية وصانعة للأجيال. والولد ما إن يتخرج فعليه أن يتوظف حالًا، وإلا فهو فاشلٌ! وإن لزم الأمر تدبير وظيفة عن طريق قريبٍ أو بعيدٍ، توظف؟ على البركة متى تزوجوه؟ وتستمر الدوامة… ولادة، ضياع، دراسة (لعب)، دراسة (مراهقة)، دراسة (ضغط التفوق لضمان الجامعة)، ثم دراسة (إكراهًا)، وعمل، وزواج، وأطفال، وسنين عمر تمضي حتى الموت. عجلة موحدة يمرُ بيها كل أفراد المجتمع لا فرقَ بين ذكرٍ وأنثى إلا في أمور  بسيطة. والمصيبة؟ أننا سنقرأ هذه الأسطر متعجبين باحثين عن ما الغريب فيها! وهذه هي المشكلة.

فلنعد الكرّة مرّةَ أُخرى.. فالحياة ليست نمطًا واحدًا! بعد التخرج من الجامعة تستطيع التفرغ لسنة كاملة من التدريب والعمل خارجًا في بلاد العالم. بعد الثانوية يمكنك إختيارُ تخصصٍ تقني، أو حتى إنشاء مشروعك الخاص، تستطيع دراسة تخصصٌ عجيبٌ لا يعرفُ أحدٌ كيف ينطقه ناهيك عن استيعاب ماهيته، تستطيع أن تكرّس حياتك للبحوث! في الزواج تستطيع أن تتزوج دون أن تدفع ثمن دمك وروحك لأجل إرضاء أذواق وأعين كُل فردٍ في العائلة، ثم كل فردٍ في المجتمع وهو أمرٌ مستحيل، تستطيع أن تتزوج شخصًا يقبله عقلك ونفسك، تستطيع أن تعتزل الناس وحياتهم عمرًا تعملُ فيه على مشروعٍ غريبٍ ما، فتعود بكتابٍ جاهزٍ للنشر، أو عشرات اللوحات والصور الفنية القابلة للبيع.

في الحياة ما يستحقُ الحياةَ خارج الحدود والإطارات التي وضعناها كمجتمع لها.

ففي مجتمعنا، هُناك فتاةٌ تبرعت بكاملِ تكاليف زواجها لقرية أفريقية فعمّرتها وبنتها، وزرعت السعادة في قلوب مئات الناس، في مجتمعنا شابٌ أعزبُ في نهاية العشرينات من عمره يجوب أسفار العالم الفسيح يزورُ بلدانًا لا نعرف أماكنها على الخريطة ليكتب عن زياراته وترحالاته، وفتاةٌ أخرى تتركُ راحة منزلها لتقف على شواطئ اليونان تستقبل اللاجئين السوريين لتكون المترجم وهمزة الوصل بينهم وبين المسؤولين عن استقبالهم، في الحياة أُناسُ عاشو نمطًا مُختلفًا من الحياة، عاشو حكايةً مُختلفة، عاشو أحداثًا مُختلفة. ليس من السهل أن تخرج عن قوالب المجتمع، فللمجتمع توقعاته، ولألسنة الناس لسعةٌ لا يقدرُ على إحتمالها أي أحد. أن تنوي أن تحيا حياتك مختلفًا، أن تخرج عن النمط الذي يُظنُّ أنه مثالي، يعني أن تفتح على نفسك أبواب جحيمٍ دنيوي. فالجحيم أن الجميع يُحبُّك، ويتمنى الخير لك، ومن هذا المنطلق سيضغطون عليك لتفعل ما يعلمون هُم أنه الأفضل، دون استيعاب وفهمٍ أن هُناك خيرٌ وسعادةٌ في المجهول الذي لا يعلمونه، فهم لا يُريدونك أن تتضرر، لا يُريدون أن يمسَّكَ أذى، من الحب خوفًا عليك سيحاربونك، وسيحولون دونك ودون جنون نفسك. والتحدي يكمنُ في أن تحيا حياة فريدةً غير نمطية كما تريدُ أنت، دون أن تخسر أحبابك أو تتركهم بقناعة أنك مجنون ومريضٌ نفسي! إذا كُنتَ ممن كسبَ التحدي، فشاركني قصتك بالله عليك. وإن كُنتَ ممن ينوي استجماع الشجاعة والإستعانة بالله عزَّ وجل والخوض في غماره، فشاركني أخبارك وآخر تحديثات قصتك. وإن كُنتَ ممن يتمنى ويحلمُ.. فاسعى، {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يُرى}*، ففي هذه الحياة ما يستحقُ الحياة.

* سورة النجم، آية ٣٩،٤٠.

One thought on “إعادة ضبط، مصنع أنماط الحياة

  1. مقال جميل و متكامل
    القضايا المطروحة معاناة لمعظم أفراد المجتمع وعلى الرغم من ذلك ألا إنها متوفرة في كل قيل و قال.
    والجميل في النص: عدم الانحياز للغرب مع نقد المجتمع نقد بناء و ذكر كلا من السلبيات والايجابيات.

مُشاركاتكم الحكي تُسعدني، فما تحوي عقولكم وتنتج أفكاركم مثيرٌ للإهتمام

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s