الخطأ الصائب

دعوني أحكي لكم عن شابٍ يُدعى محمد، وهذا الشاب دخل الجامعة ولم يعرف أي تخصص يختار، فاختار نهاية الأمر تخصصًا بدى له مثيرًا للإهتمام، بدأت الدراسة واكتشف مُحمدٌ أن التخصص لا يناسبه وليس كما كان يتصور، قاوم محمدٌ هذا الشعور منذ الفصل الأول، حاول جاهدًا أن يتفوق لكن درجاته لم تتجاوز متوسط النجاح. لم يرغب محمدٌ في تخييب ظن والديه به، فكيف سيستطيع أن يُحطِّم قلوبهم بإضاعة سنوات إضافية من حياته إذا قام بتغيير تخصصه؟ ويعيش عالةً عليهم في الوقت الذي سيكون كُل رفقاءه قد تخرجوا وتزوجوا وأسسو بيوتهم الخاصة ولهم وظائفهم وأعمالهم؟

قاومَ مُحمدٌ وأخذ يحاولُ بجد لعله يتفوق في الدراسة، فكُل الناس أذكياء، والإنسان إذا أراد أستطاع، حتمًا هُناك خطأ ما فيه، ربما لم يذاكر كفاية، ذاكرته في الحفظ ضعيفة، لغته لا تساعده على فهم الشرح السريع للمحاضر الأجنبي، لكن كُل هذا خطأه هو، عليه أن يحاول بجدٍ أكثر. ويستمر الصراع في نفس مُحمد!

وقصة محمدٍ هذه تماثل قصص الكثير من الطلاب والطالبات في الجامعات، اختاروا قرارًا خاطئًا في التخصص، واستمروا على الخطأ أكثر لأن ثمن تصحيح الخطأ أغلى من ثمن الاستمرار على الخطأ..بالنسبة للناس، بالنسبة للمجتمع. سيدفع مُحمدٌ وأمثاله الثمن غاليًا من خيبة أمل أهله وإحباطهم منه، وعن كلام الناس والمجتمع،،متى سيتخرج محمد؟ متى سيتزوج محمد؟ ما شاء الله طوّل في الجامعة! مسكين مو قادر يتفوق..إلى آخره.. والتضارب أن مُحمدًا وهو مستمرٌ في تخصص لا يريده لم يكن سعيدًا، ثقته بنفسه تُهدم وعمره يضيع وهو يحاول أن يكون شيئًا ليس هو، وأن يحيا حياةً ليست له، لكن كُل ما حوله يشجعه! في حينِ أنه لو حال أن يتخذ قرار التغيير، أن يتبع قلبه وما ينفعه، فكل المجتمع سيكون ضده!

نحنُ مجتمع نحبُ المثالية، دعونا نعترف بهذا، نرغبُ في أن يكون كل شيءٍ صحيحًا، وصحيحًا من المرة الأولى. لسنا عاشقين للمحاولات والتجارب، ولسنا محبين لأضرار الأخطاء. المشكلة؟ عندما يتجاوزُ الرغبة في المثالية والخوف من أضرار الخطأ حده المعقول ليصبح أهم مافي الحياة أن يبدو كُل شيء صحيحًا في ظاهره، حتى لو كان خطأً وأكبرُ خطأ في مضمونه.

نُربّى على ذلك منذ نعومة أظافرنا، نُربى على أن نكون أطفالًا هادئين ومرتبين وأن نحافظ على ملابسنا نظيفةً دائمًا وأن لا نلعب ونقفز أو نتشاغب، وجمل أهالينا المتكررة “لا تلعب وتوسخ ملابسك بعدين يشوفوك الناس وسخ ويتريقوا عليك، إيش يقولوا عنك؟” في حين أن الطفل الطبيعي يلعب لكي ينمو ويتعلم، ويجرّب ويكتشف ويسقط ويمرغ نفسه في التراب ليكتشف العالم والناس والطبيعة والله، هذه فطرته!

حُب المثالية وإنكارُ الخطأ، رغم أنه في الحقيقة الخطأ حقيقةٌ فطرية كما الصواب، يدفعنا كمجتمع للضغط على أبناءنا، قد ندفن مواهبَ وإبداعاتٍ ونتسبب في تعاسةِ أشخاص لمدى حياتهم، فقط لأننا لا نستوعب أنهم يحتاجون أن يُخطئوا. والأدهى والأمر.. أن المجتمع مكونٌ من أفرادٍ جميعهم ارتكبوا أخطاءً فادحة في حياتهم، هذه الأخطاء هي التي أوصلتهم لخبرتهم وعلمهم، لكن شدة حرصهم على من بعدهم تجعلهم يريدون لأبناءهم وأحفادهم أن ينجحوا دون أن يخطئوا، وهذا أمرٌ غيرُ منطقي.

يا ترى كم من قرارتٍ خاطئة اتخذناها وندمنا عليها أشد الندم، ولم نستطيع تصحيحها لخوفنا من أهلنا؟ من المجتمع؟ واستمررنا على الخطأ فقط لأننا وحدنا من نعرف أنه خطأ، وكل العالم يحسبه صحيحًا؟ ولا سيّما في الأمور الجوهرية في الحياة كالتخصص الدراسي، والعمل والزواج والطلاق واختيار الأصدقاء والرفقاء وقرارات تغيير أسلوب الحياة أو الإهتمامات.

وجد الخطأ لنتعلم منه ما هو الصواب، هذا الواقع. فمن المستحيل أن يكون كل شيء صوابًا! في المرة القادمة التي تفكرُ فيها لاتخاذ قرارٍ، جرّب أن تفكر ما القرار الذي إن اتخذته وكان خاطئًا، سيفيدني أكثر من قرارٍ يحسبه الجميع صحيحًا؟

ببالغ الود

أروى شفي

مُشاركاتكم الحكي تُسعدني، فما تحوي عقولكم وتنتج أفكاركم مثيرٌ للإهتمام

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s