دوامة التيه

سابدأ بالسبب الذي دفعني للعودة للكتابة، والذي دفعني كذلك لعقد هذا الإتفاق والتحدي مع صديقتي غفران (أطلّع على المدرجة السابقة).

أنا الآن والحمدلله في الفصل الجامعي الأخير، ٣ أشهر حتى التخرج .. وقتي مشغولٌ بالكثير من المبادرات والأعمال التي أشارك فيها، لكن معدل إنتاجيتي ضعيفٌ جدًا. مسؤولة في ٤ كيانات/مبادرات شبابية مختلفة ومتنوعة، لكن رضاي عن إنجازها، ورضاي عن مردودها علي ضعيفٌ جدًا. ولا علاقة للأمر بضغط الوقت أو الإلتزامات، فقد كنت ناشطة في ٦ كيانات قبل أشهر قليلة، وتخليت عمدًا عن كيانين اثنين جوهرين لعلي أصل للإنتاجية، والرضا، لكني لم أفلحُ بعد. وليس للأمر علاقة بإدارة الوقت وتنظيم الأولويات، فرغم كل هذا الإنشغال وقتُ الفراغ أكثر وأكبر ويطغى على الإنشغال، إنما هي مشكلة خواء.

شعورُ أنك تركضُ كثيرًا دون أن تصل لمكانٍ أمرٌ مزعج، الحيرة الناتجة تولدُ ضغطًا كبيرًا على العقل لمعرفة السبب، وعلى النفس لإستيعاب هذه الأسباب وحلها.

وبالتوازي مع كُلِ ما سبق، لا يبدو أن الجامعة تودُ توديعي على خير، الكثير من المشاكل المتعلقة بالبيئة الجامعية والتي تبدأُ ولا تنتهي، ونفسية مضمحلة جدًا، يقولون أن هذا طبيعي في آخر فصلٍ دراسي! من الطبيعي أن تشعر أنك تودُ الخلاص ولا تطيق الأيام أن تمضي سريعًا. في ذات الوقت هُناك الكثيرُ من الخوف مما سيأتي، من فترة الضياع والتوهان بعد الجامعة، بين البحثِ عن عملٍ يوافق إهتماماتي وطلباتي (ليس الأمر بذلك السهولة وأنت تكره الروتين والملل)، ثم يوافق متطلبات عائلتي (الأمر أصعبُ مما يبدو عليه)، وبين البحث عن فرص للدراسة خارجًا (لا أحسبُ نفسي درستُ جامعيًا حقيقةً، ثانوية متطورة بشهادة بكالوريس لا تسمن ولا تغني من جوع علميًا) وبين ضغطِ المجتمع المستفز “متى حتتزوجي؟” وكأن الزوج طلبيةٌ ننتظر إنتهاء تصنيعها، أو كان الحياة نمطٌ متسلسل واحدٌ ثابتٌ يجبُ أن ينطبق على الجميعِ. 

في خضم محاولاتي أن أصنع لنفسي هويةً، وأن أصنع أثرًا وبصمةً أتركها أينما حللت، يبدو أني تخليتُ عن أمورٍ أخرى كانت قبلًا تشكلُ لي أهميةً عُظمى، أمورٌ تشكلني ولم أنسها وأندم أمر الندم على تركي لها. رُبما هذا السبب؟ تخلي عن ما أحتاج لنفسي مقابلُ ما أريدُ تقديمه للغير؟

لا أدري بعد، لكن كثيرًا ما قيلت لي “اتركي ما تفعيلنه الآن وابدأي في شيء آخر أكثر جدية وأكثر ملائمة لكِ”، كانت نظرتهمُ أني أضيعُ وقتي حاليًا في أمورٍ لها ظاهرٌ نعم، لكن ليس لها أي مردودٍ حقيقي، تستهلكُ الكثير من الوقت والجهد دون فائدةٍ مباشرةٍ كما أحتاجُ منها. ولاسيما في هذه المرحلة العمرية حيثُ يحتاج الإنسان إلى اكتساب الكثير من الخبرات والمعارف، يحتاجُ إلى أن يتعلم لا يُعلِّم.

يُقال أن الإنسان يحتاجُ إلى ٣ أنواعٍ من البيئات أو المجتمعات في حياته، واحدةً أقلُ منه، يُفيد فيها ويغير ويُلهم، ثانيةٌ في مستواه يتعلمُ معها ويتشارك وينمو وينضج ويكبر، وأخيرةٌ أعلى منه، يتعلم منها ويستفيد منها، وتتفتح آفاقه بالإطلاع على خبراتها. فأن تظلَ طوال وقتكَ مع البيئة الأولى، صحيح سيكون لك قدرةٌ على التغيير والتأثير، لكن ستقف هذه القدرة عند حدٍ لن تتطور بعده أو تتعداه، أن تقضي جُلَّ وقتك مع البيئة الثانية ستتطور وتتغير لكن ببُطأ. فالتوازن أفضلُ شيء. وهذا التوازن أعجزُ عن إيجاده. في هذه المرحلة الجديدة (التي بدأت قبل أربعة أيام) أحاول أن أزيد من إهتمامي بالبيئة الثانية وبحثي عن البيئة الثالثة. من الأهداف التي وضعتها أن أركز على القراءة أكثر، قراءة أفضل الكتب تقومُ مبدأيًا مقامِ البيئة الثالثة حتى يُحدث الله بعد ذلك أمرًا ويرزقني ببيئة تُدهشني وتعلمني وأرقى بها.

أتوقع أن كُل ما سبق لا يملك الكثير من الروابط ولا يبدو منطقيًا أو ذا معنى، لكن له أثره عليَّ شئتُ أم أبيت. والنتيجة إنهيارٌ نفسي قبل أيام قليلة عند والدتي والتي “سمعتني كلمتين” وقتها على تفكيري السلبي.

تقول لي أمي الحبيبة أننا “الجيل الجديد” كلنا تفكيرنا سلبي بخصوص المستقبل، وينافي التوكل على الله حق التوكل. وكيف أن التوكل الحقيقي يكون ببذل الأسباب وتحديد الأهداف والأحلام نعم، لكن يتبعه ويرافقه يقينٌ أن كل ما يكتبه الله لنا خير، سواءٌ أوصلني سعيي بإذن الله إلى ما أُريد أو إلى مكانٍ آخرٍ لم يخطر لي على بال، فكله من عند الله وكله خير، وهنا يأتي الرضا. الرضا بنتاج السعي وأن الله كتب لي نتاجًا أفضل لي مما تمنيته لنفسي.

الكلام سهلٌ، لكن الوصول لهذه القناعة ليس بهذه السهولة ولا زلتُ أحاول أن أجد طريقه السليم. 

هل كل هذه الأحاسيس في هذه الفترة طبيعية ؟ وهل من الطبيعي أن أشعر كأني أجري في دوامةٍ لانهائية أُتعب وأُجهد فيها دون مخرجات ونتائج تغنيني وتكفيني وترضيني؟

أتوقع أن الإجابة على السؤال الأخير هي لا. لكني انتظر إجاباتكم على السؤال الأول، وأتطلّع لمعرفة تجاربكم أمررتم بنفس المرحلة أم لا ..

ببالغ الود

أروى شفي

2 thoughts on “دوامة التيه

  1. حسنًا..دعيني أخالف توقعك يا فتاة.. الإجابة على السؤال الأخير ستكون نعم.
    يقال..أو قرأت من قبل جملة ما، تقول ” فترة العشرينيات ه فترة التخبط، والإرتباك، وكل هذا طبيعي”..
    أفكارك لها صدى كبير وحقيقية، التيه مرحلة لا بد منها وإجبارية لكل من يفكر خارج الصندوق.
    كذلك ربما يبدو الطريق أو الإجابة واضحة مئة بالمئة، معروفة، لكن القضية تكمن في الاقتناع به. أن تكون عن اقتناع تام.
    لا أريد تصدير الفكر العدمي الذي يقول: نعم أنت محقة الجيل الجديد متشائم، بالواقع كل الأجيال الجديدة متشائمة ل6.
    ما يهم ألا تطيل فترة التشتت كثيرًا.. وهي على عكس التيه أو التخبط..ستجربين شيء ما اليوم وتكوني مقتنعة مئة بالمئة اليوم إنه هو الشيء الذي تريدين فعله. ثم تمر الشهور وتستيقظي ذات يوم وتقولي.. لا..وتعثري على شيء أخر ويعتريك ذات الشغف أو الحماسة له مثل الشيء السابق. هذا هو التيه أو التخبط ل6
    لكن ما يهم فور أن تعثري على اللحن المناسب لك..لا تتركيه تحت أي ضغط من ضغوطات الحياة التي تأتي تحت مسمي ” ليس مناسب، أفعل شيء أخر، هذا لا جدوى منه” ..ساعتها لا شك سوف تخسرين تلك الهوية التي تحاولين العثور عليها وصنعها لنفسك.
    ،
    موفقة دائمًا، ولا تنقطعي عن الكتابة والتدوين : ))

  2. حبيبة ماما 😀 ! Welcome back 😀 !
    للأسف يا أروى ما تمرين به ليس غريبًا على هذه المرحلة العمرية، ها أنا أكبرك بعدة سنوات ولا زلت أدور معكِ في نفسك الدوامة، حتى أني أكاد استسلم أحيانًا لتبتلعني..فذلك أهون من كل هذا الدُوار الذي تصيبني به !
    بل ودعيني أخبركِ أن ظروفك والبيئة التي أنتِ بها أفضل من كثيرات غيرك ، رغم معرفتي بمدى صعوبة تقبل مجتمعنا لشيء مثل سفر فتاة وحدها في سعي نحو مطمح أو دراسة ، أو إيجاد الوظيفة التي ترضي قائمة المتطلبات الطويلة التعجيزية التي يفرضها الوالد العزيز !
    لكن حاولي قدر الإمكان استغلال كل الموارد والإمكانيات الموجودة حولك الآن، حتى تكوني مستعدة إن لاحت فرصة جديدة في الأفق.
    أضيف على كلام ولادتك، أننا الجيل الجديد أصبحنا نشعر بالإحباط وعدم الإنجاز و ربما الدونية أحيانًا، لأن الانفتاح الشديد الذي نعيشه يجعلنا ندرك مدى ضائلتنا.. منذ خمسين سنة مثلًا ستجدين أترابنا من الفتيات إن وصلن لما نحن عليه الآن لاعتبرن أنفسهن معجزة حقيقية لن تتكرر!!

    سأحاول معكِِ مجددًا لعل الحال ينصلح وتنتهي هذه الدوامة ، وآمل أن أصل أنا وأنتِ إلى القناعة التي تتحدث والداتكِ عنها 😀

    أحم .. هل تعرفين أغنية “دواير” لمروان خوري .. أذكر أني كتبت على مدونتي منذ أربع سنوات شيئًا مشابهًا جدًا للموجود وكانت هذه الأغنية كانت متناسبة مع مزاجي 😀
    << إن لم تخني الذاكرة منذ أربع سنوات كنت في مثل عمرك 😀
    لذا لا تقلقي ، حالتك طبيعية ومنتشرة أيضًا 😀 !

مُشاركاتكم الحكي تُسعدني، فما تحوي عقولكم وتنتج أفكاركم مثيرٌ للإهتمام

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s