لماذا إستخدام كفاءات أجنبية في التعليم طامة كبرى ؟

منذُ صغري وأنا أحلمُ بالدراسة في أرقى جامعة عالمية! ومن لا يملكَ هذا الحلم؟ أن يدرس في بيئة أكاديمية ممتازة داعمة للعلم.

بدأتُ في دراسة الجامعة في السنة التحضيرية، وحقيقة كانت فترة سيئة من الناحية النفسية وكونها فترة إنتقالية لم يُساعد إطلاقًا في تسهيل رحلة أول سنة جامعية، انتهت السنة الأولى على خير وأنا أؤمن أني فقدت روحي الأكاديمية تمامًا!

تخصصتُ في قسمِ إدارة الأعمال -عن رغبة تامة والحمدلله- فتخيلو مقدار فرحتي ودهشتي عندما أكتشفُ أن الطاقم الأكاديمي جميعهم  ذو كفاءات عالية جدًا وخريجي أفضل الجامعات من أفضل الدول! أعرّفكم على طاقم كليتي الأكاديمي، ٣ دكتورات تونيسيات خريجات جامعات فرنسية -الاسم الوحيد من بين الأسماء التي نطقت بالفرنسية الذي فهمته هو «جامعة باريس» ثقافتي الفرنسية لم تلد بعد فاعذروني-.

اثنان منهم قاما بالتدريس في الجامعة الفرنسية، درّسا طلبة الماجستير في تلك الجامعات.

والرابعة دكتورة نيوزلندية مسلمة، درست في اليابان ودرّست في جامعة العاصمة النيوزلندية. ليس هذا وحسب بل منذُ اللقاء الأول الإنطباع الذي تركوه يصعبُ نسيانه.

كُل هذا جميل، وأنا من سعادتي بأن يدرسني مُحاضرون شغوفون بما يدرسونه لم أستطع التوقف عن الحديث عنهم لأهلي لأسابيع.

بدأت هُنا تبرز الإنتقادات لدى باقي الطالبات!

«فالدكتورة الأولى تتحدثُ الإنجليزية فقط ولا نستطيع فهمها لأننا لم نُدّرس الإنجليزية بمستوى عال»

«والدكتورة الثانية لا نفهم منها لأننها تتحدثُ بالعربية والإنجليزية في نفس الوقت»

«الدكتورة الثالثة لا نفهمُ منها شيئًا فهي لا تُجيدُ الشرح»

«الدكتورة الرابعة شرحها ممتاز!»

مضى شهرٌ وبضعُ أيام وبدأنا في أول إمتحان قصير..

«الدكتورة الأولى أسئلتها جدًا جميلة ورائعة متأكدون من أننا سنأخذُ أعلى الدرجات»

«الدكتورة الثانية أسئلتها جدًا بسيطة وواضحة يُمكننا حلها دون أي مذاكرة»

«الدكتورة الثالثة لم تقم بعمل أي إمتحان حتى الآن هذا إهمال .. إلخ»

«الدكتورة الرابعة إمتحانات مفاجأة عليها أن تخبرنا قبلًا ..إلخ»

ظهرت نتائج الإمتحانات القصيرة!

«إمتحان الدكتورة الأولى: لابد أن نطالب بدرجات إضافية الإمتحان كان سهلًا من المستحيل أن نكون جميعنا أخذنا درجات منخفضة إلى هذا الحد هذا ظلم، واجب عليها أن تقوم بإضافة درجات للجميع، والأسئلة كانت بالإنجليزية بلغة صعبة، لم نستطيع قراءة الأسئلة الطويلة، مستوانا في اللغة أقل من هذا»

«إمتحان الدكتورة الثانية: النصف الأول: الإمتحان كان سهلًا لكن هناك سؤال لم أستطع حله نريدها أن تعطينا درجاتٍ إضافية. النصف الثاني: كان الإمتحان سهلًا لا ندري كيف تقوم بالتصحيح ليس من المعقول أن درجاتنا جميعًا منخفضة لهذا الحد!»

بدأت إمتحانات منتصف الفصل ..

«الدكتورة الأولى هذا إمتحان جدًا صعب لا نستطيع حله هي لا تقوم بالشرح بهذه الطريقة أو هذه الدرجة من العمق، الإمتحان كُله أمثلة لا نستطيع حلها، والإمتحان طويل يحتاج لأكثر من ساعتين. لا نفهم من الدكتورة فلغتها الإنجليزية صعبها وحديثها صعب الفهم وهي لا تشرح بما يكفي ونحنُ لا نفهم منها وعليها إضافة درجات لجميع الطالبات وإلا سنرسب أسئلة الإمتحان القصير لم تكن مثل هذه لم تخبرنا أن الأسئلة ستختلف. -بعد عدة أيام- الدكتورة لم تقم بعمل الأسئلة فقط أخذتها من الانترنت -سب وشتم-»

«الدكتورة الثانية الإختبار كان من المُمكن أن يكون أبسط من ذلك، الدكتورة تصحح بتدقيق زائد عن اللزوم، هذا ظلم -سب وشتم-»

«الدكتورة الثالثة هذا إمتحان مستحيل الحل، يحتاج إلى أكثر من ساعتين هي لم تشرح هذه المعلومات، لا أدري من أين تأتي بالأسئلة -الكثير من السب والشتم-«

«الدكتورة الرابعة: الإمتحان جدًا طويل والأسئلة صعبة ليس من حقها أن تأتي بأسئلة بهذه الصعوبة، نحنُ لا نستطيع حلها هذا ظلم -سب وشتم»

 

الذي حدث بعد الإمتحان النصفي هو رفع شكوى على الدكتورة الثالثة. بدأت الإمتحانات النهائية وتكادُ تنتهي .. والذي يحدثُ الآن هو تخطيط لرفع شكوى على الدكتورتين الأولى والثالثة ولا أستبعد رفع شكوى على طاقم التدريس بأكمله!

نعم أيها الأعزاء ما كُتب بالأعلى هو تلخيص لما يحدثُ وما أسمعه كُل يوم وكُل أسبوع في الجامعة، نحنُ مجموعة من الطلبة لا ترغبُ في التعليم، تريدُ أن تأتيها الدرجة والشهادة على طبقٍ من ذهب، نُريد أن لا نحضر المحاضرات لأننا «لسنا في المزاج المناسب» ونريد أن نلعب ونتحادث مع الصديقات ونضحك في وسط المحاضرة دون أن يضرنا ذلك. نُريد أن تُعطى لنا المعلومة في حال تكرمنا بالسماح للمُحاضر في أن تدخل كلماته لأذننا تبعًا لمعاييرنا نحنُ، بالكلمات التي لن نستخدم أدنى طاقة لفهمها. وهذا وحده عكسُ مفهومِ التعليم! نحنُ طلابٌ يتحدثون عن التعليم في اليابان وأوروبا وأمريكا وعن حاجتنا لمثل أنظمتهم وعُندما يطبق أبسط مثال علينا نكون أولُ المعارضين، لأن العلم يحتاج إلى جهد وعمل .. ونحنُ شباب أعتدنا الكسل واللعب والمرح.

نحنُ شبابٌ أتقنا إختلاق الأعذار حتى صار فنًا يعرفنا ونعرفهُ كما نعرفُ باطن كفنا. فنحنُ ملائكة لا تُخطأ، وأعذروني على الأسلوب التهكمي والساخر .. لكن هذا الواقع!

فكلية إدارة الأعمال تُدرس كُل موادها باللغة الإنجليزية، ومن البديهي أن يعمل الإنسان على تطوير لغته ونفسه ليستطيع الإستفادة من مواد التخصص صحيح؟ لكن لا! فالطالب اليوم يُريد أن يبقى كما هُو، يُريد أن يسافر إلى باريس ولندن ليعود بنطق كلمتين يسعدُ بهما دون أي إستفادة فعلية للغته. على الرغم من أن اللغة الإنجليزية اليوم أصبحت كالقراءة والكتابة .. عدم إتقانها ليس عيبًا! لكن من العيبِ عزيزي الطالب أن تدخل قسمًا نظام تدريسه قائمٌ على اللغة الإنجليزية وتتعذرُ بضعف لغتك على نقص علاماتك وعدم فهمك!

من العيبِ أن تتحدث عن منظومات التعليم في اليابان وأمريكا وأوروبا وتتحدث عن تطوير التعليم محليًا .. ثم تقاتل كفاءات عالية من هذه الدول لأنك أضررت نفسك بالإهمال والتكاسل وعدم التعلم!

كيف لدكتورة درّست طلبة الماجستير في دولة هي أول من درّس الإدارة في الجامعة أن تتهم بعدم الفهم وعدم قدرتها على الشرح؟

كيف لدكتورة أن تُتهم بعدم المرونة عندما تقول للطالبات العلامات في الإمتحانات ليس مقياسًا للعلامة النهائية فسلوك الطالبة وتفاعلها في المحاضرات وملاحظتي لفهمها سيزيد من درجاتها؟!

كيف لطالباتٍ تخصصهم يقوم على الأرقام والحسابات والإحصائيات أن يتذمرن من صعوبة القسمة والضرب والجمع والطرح دون آلة؟! وإن كانت الأعداد مختلفة عما أعتدناه في الإبتدائية!

أسمع حديث صديقاتي وزميلاتي في الأقسام الأخرى عن مآسي ومشاكل حقيقة تحدث معهن من الطاقم التدريسي في أقسامهنّ كُلها لا نجدها في طاقم كليتنا. لو كان لي أن أختار الطاقم التدريسي الأفضل في جامعة أم القرى كُلها .. لأخترت دكتوراتنا الأربعة لما وجدتُ لديهن من رُقي في الأسلوب والفكر وثقافة التعليم!

قبل سويعات قرأتُ في مجموعة الجامعة أن الطالبات ينوين رفع خطاب شكوى على المُحاضرات، أحب أن أقول لهنّ .. وجود طالبة واحدة تفهم من الدكتورات يعني أن الخطأ لا يكمنُ فيهن فقط .. نعم علامات ليست كاملة فمن المستحيل على بشرٍ أن يُحصّل في جميع الإمتحانات ١٠٠٪ إلا إذا كان عالمًا في هذا المجال .. وتحدث.

لكني لم أُظلم في أي درجة لليوم، فعندما أذاكر وأجتهد فعلًا، عندما لا أتجاهل أي جملة مكتوبة في المنهج، عندما أبحثُ عن المصطلحات والمعاني التي لم أفهمها لأني لم أركز مع المُحاضرة، أو تكاسلتُ عن سؤالها .. تكون النتيجة والحمدلله درجة عالية ومرتفعة.

لكن عندما أكثر من الغياب وتجاهل المحاضرات، وعندما أتكاسل عن التعلم والفهم، وعندما لا أعطي المذاكرة حقها وأتجاهل كُل معلومة لا أفهمها من المنهج وعندما أتكاسل عن سؤال المحاضرة .. ستكون النتيجة في الإمتحان منخفضة وإن أعتقدتُ أني أجدتُ الحل! وهذا أمرٌ بديهيٌ تمامًا.

خطاب الشكوى الذي سيُرفع أرى أنه من غير وجه حق، وظلمٌ للطالبات أنفسهن قبل المحاضرات، لأنهن بظلمهن للدكتورات سيفسدن أي أمل في علاقة سليمة بين الطلابات والمحاضرات، ولأن الطالبات يجهلن أو يتجاهلن حقيقة ندرة الكفاءات الأكاديمية العالية فطاقمُ تدريسنا لا يتجاوز ٤ دكتورتات وعدد من المُعيدات اللاتي لن يستطعن بأي مكان سد ثغرة الدكتورات.

 

سبب وصول الطلبة اليوم لهذه الحالة هو مجموعة كبيرة من العوامل المتسلسلة الحل سيتوجب تطوير العوامل جميعها. ما يُحززني في الأمر هو عدم علمنا بما يتكابده المحاضرون والطاقم الأكاديمي من مشقة، فنحنُ كطالبات لن نعرف أن الدكتورة تأخرت في الرجوع بعد الإجازة بسبب مشاكل في التأشيرة ولن نعرف أنها اضطرت إلى ترك ابنتها في بلدها بعيدة عنها آلاف الكيلومترات لتأتينا بوجه مبتسم تشرحُ وتعلّم!

لن نعرفَ مدى الصعوبات التي تواجهها الدكتورة بسبب عدم فهم أغلبية الناس للغتها وإضطرارها للإعتماد على زوجها في أغلب الأمور.

لن نعرف كُل هذا ولن نفكر ولن نستشعر هذه الصعوبات إطلاقًا!

مع ذلك تجدُ الدكتورات مبتساتٍ كُل يومٍ، يقبلن التفاهم والنقاش .. في هذا الفصل ومع د.عائشة لأول مرة أسمع سؤال «ما الأسئلة التي شعرتم أنها تحتمل أكثر من إجابة» ليس هذا وفقط، بل عندما أخبرتها عن أحد الأسئلة أطلعت عليه وقالت لي جملة أرغب بشدة في وضعها في برواز في جميع ممرات الجامعة! قالت «بالفعل معك حق، هذا السؤال قد يُشكك الطالب في الحل، سأتجنب وضعه في المرات القادمة» فهي لم تناقش أسئلتها وحسب، بل أخذت برأي الطالب في صحة السؤال من عدمه!

يندرُ وجود دكتورة توقف إعطاء المنهج لأسبوعين لأنها لاحظت ضعف الجانب التطبيقي من مادتها لدى الطالبات في الإمتحان.

أسمع كثيرًا عن مشاكل المحاضرين والمحاضرات .. وأعلمُ مقارنة بالكثير من الحالات أن في كليتي طاقم تدريسٍ رائع وأحمد الله كثيرًا على ذلك . وأتمنى من باقي زميلاتي أن يستوعبن هذه الحقيقة. وأتمنى أن يتغير حالهنّ الذي يقول نحن لا يُلائمنا إلا التلقين والمحاضرات الغير متفهمين والجمود والتقليدية القديمة!

أحبُ في النهاية أن أوجه اللوم لمن له تأثيرٌ على الطالبات، لممثلات الدفعة، أنتن عزيزاتٍ على قلبي لكن دوركِ عزيزتي يفوق إيصال كلمة الطالبات، دوركِ يمتدُ إلى توضيح الآراء والحقائق للطرفين، دورك يشمل تحقيق ما ينفعُ ويفيد الطالبات وإن عارضنه لجهلهن بفائدته. دورك عزيزتي يفوق التخطيط لخطابات شكوى وجمع التصويتات بل على العكس .. دوركِ يشمل تحضير إجتماع ولقاء بين المحاضرات والطالبات لتقريب المفاهيم بين الطرفين ولا يشمل إطلاقًا التحريض وإستخدام جملة “هذا حقك” كُل يوم، فنحنُ يا عزيزتي بين طالبات لا يعرفن حقهن من مصلحتهن من ما سيضرهن!

الله يهدينا جميعًا وييسر لنا العلم وأهله.

4 thoughts on “لماذا إستخدام كفاءات أجنبية في التعليم طامة كبرى ؟

  1. جددداا معبرة كلماتك قالت مافي نفسي .. خصوصا في ان غالبية الطلاب اليوم -إلا من رحم ربي – لا يتعلمون لأجل ان يتعلموا شيئا يحبونه ويريدون تعلمه حتى وان لم يجدوا وظيفة مثالية تخدمه ، بل يطلبون التعليم لأجل الدرجات فقط !

    لا اتشاءم ولكن اتمنى ان تتغير نظرتنا للعلم

  2. ينقصنا الشغف ، و الحب لو هما حبوا القسم ككل كان حالهم احسن من كذا الاغلبيه العظمي في القسم ليس حباً ولكناً كإسم و تفاخر 🙂 ().. الله يفتح عليك يارب ♡

  3. صديقتي أروي ؛ إن كل ماكُتب هنا أثار ضجة بين طالبات الجامعه ،،! وبعد قراءة التدوينه أيقنت أن هناك الامور السلبية والايجابية وانا اوفق علي جزء مما كتبتيه فيما يخص ضرورة تطوير اللغة الانجليزية لان الدراسة تتطلب ذلك وهذا امر بديهي ،،! وأوافق انا اغلب طاقم الجامعه ممتاز ذو كفاءة عالية ،ولقد كتبت منذ فتره مايشبه كلامك بأسلوب شبه مزاح ونصح للطالبات عن ما يحدث في الجامعه وان عليهن التأقلم مع الدراسة والمواد واللغه وأوضاع الجامعه وليس للعكس ،!!! وانا لا اميل مع طرف معين بالجامعه انا مع الحق وانا اوافق بعض مما كتب هنا وليس كل ماكُتب ،،! والحق مرّ وأسلوبك في الكتابة كالعادة صريح جدا ومقنع في كثير من الأحيان ، وتذكري ان مستويات تفكير الطالبات مختلف ، والمقارنة بينهم ليست صحيحة، ليس الكل يملك ذلك التفاؤل والإيجابية والأحلام في حياته ،،! كنت اتمني ان ” تخفي علي البنات شويه “”!!! لأنهم معتقدين انك تستهونين بقداتهم وترمي انهم لا يعرفون مصلحة أنفسهم وغير مسؤولين وغيره ،،! والأغلب يكتفي بالحدق والكره ،،! بالنهاية في الجامعه الكل مسؤول عن تصرفاته وعن أفعاله وعن نفسه ،!! والخير يخص والشر يعم ، اذا أصبت فمن الله وإذا اخطأت سامحوني ، شكرا لكِ

مُشاركاتكم الحكي تُسعدني، فما تحوي عقولكم وتنتج أفكاركم مثيرٌ للإهتمام

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s