أول زيارة لأسطنبول, عند إلتقاء أرواح المدن بالبشر

السفر لي كسيمفونية برية، على ضفاف بحيرة –أو في وسطها- في ليلة سماءها صافية تَعدُ فيها حبات النجوم، محاطة بالهدوء والسكون إلا من عزف الحشرات وما يعلمه الله من مخلوقات تسكن المنطقة. عندما أتخيل السفر، أتخيل هذا الموقف، وأستحضر هذا الإحساس بالذات.

في السفر يوضع عقلي في آلة للتنضيج –تبدو كآلة تفقيس البيض- لا ينتمي لي عقلي وقتها ولا أدري ما يفكر أو كيف يفكر هو فقط يفعل. في كل يوم في السفر حكاية وعبرة وفكرة واستيعاب واكتساب للمعرفة. يمكن للكاتب في كتابه أن ينقل لك تجربته الشخصية وما رأته عيناه وما تعلمه عقله، لكن في السفر يعيش الإنسان مع العلم ذاته يكتسب منه بمعاييره الشخصية وطرقه الفريدة.

حين أريد أن أشرح لأحدهم ما الذي يعلمني السفر تقف أحرفي حائرة! فالسفر يعلمُ الحياة، والحياة تهرب من الكلمات ركضًا وكأنهما في خصام مؤبد. فالكلمة لا ترضخ للحديث عن الحياة بسهولة ولا الحياة تسمح بتأطيرها في الكلمات بسهولة.

آخر كتاب قرأته –وأنا الآن في حالة “سفر”- للكاتب عبدالله جمعة، اسم الكتاب “حكايا سعودي في أوروبا” يحكي الكاتب تجربته في السفر إلى عدة مناطق أوروبية وحده. كشخص لم يجرب السفر مع مجموعة أقل من 4 أشخاص –بالإضافة لنفسي- كان الكاتب يحكي نوعًا أخر من تجربة السفر. حينما يسافر الإنسان ليس بجسده وحسب، بل بموقفه وفكره وعقله وحتى أسلوب حياته وعاداته.

أرغب وبشدة تجربة السفر وحيدة أو مع شخص يماثلني في موقفه من السفر. انطباعي الشخصي يقول لي أن السفر مع العائلة غالبًا يوازي نصف سفرٍ لسبب ما الله أعلم به.

أكتب الأن من بورصة، تركيا. أول زيارة لي لهذه الدولة الرائعة وثاني زيارة لي لدولة أوروبية –نصف أوروبية في هذه الحالة-.

قضيتُ –مع عائلتي الكريمة- أول 5 أيام في أسطنبول، وقعتُ في حب المدينة من اليوم الثاني. جو المدينة وروحها يجمع بين الحضارة العربية والإسلامية ويبدو هذا منطقيًا بوجود تاريخٍ عربي ومسلم قوي في المنطقة، بالإضافة إلى لمسة أوروبية تجعل للمدينة روحها الجذابة جدًا. رغم الازدحام وبعد المسافات لكبر المدينة إلا أني أحببتها. أحببتُ التنوع الكبير في مظاهر السكان، في أنواع اللبس والحجاب، أحببتُ حيوية الشعب الشديدة ولطافته. أحببتُ أسلوبه في القيادة الذي –ياللمفاجأة!- لا يختلف عن أسلوب القيادة “المستعجل دائمًا في بلدي، ورغم ذلك شتان بين الشعب السعودي الذي يعطي للمساحة الشخصية مترين وأكثر ويتجنب أدنى اتصال جسدي، أما بين الجنسين فمن الطبيعي جدًا أن تكون المسافة الفاصلة بين المشترية والبائع الذي يشرح لها تفصيل سلعة ما 3 أمتار! هُنا كُل شيء يختلف، كان الأمر غريبًا في بداية الأيام، أن تجد رأس البائع فوق كتفك عندما تسأله أو يد الجرسون قرب رأسك وهو يرفعُ طبقًا أو يضعُ آخر إلا أن الاحترام الكبير المتبادل للخصوصيات والشخصيات الملحوظ جدًا مدعاة للإعجاب.

أحببتُ بساطة الشعب في التواصل مع الناس، لا أحصي عدد مرات إقتراب سيدة تركية مني راغبة الحديث، فتطرح علي سؤالًا أو تعلق على أمر ما لكن صعوبة التواصل وإختلاف اللغات يحولان دون إتمام المحادثة، فحتى جملة “لا أتحدث التركية” بالعربية أو الإنجليزية لا تكون مفهومة في كثير من الأحيان.

رغم ذلك شعرتُ بالإنتماء هنا، أتمنى أن أستطيع تسمية أسطنبول بمنزلي في يوم ما، أريد أن يكون لي منزلٌ هنا. وكلما كان قرب إحدى الحدائق المركزية كلما كان ذلك أفضل. فالحدائق هنا تسرق أنفاسي وتسهل علي نسيان نفسي فيها.

أُزَكِي تركيا وزيارتها لكل شخص يهوى الثقافة، التاريخ، الطبيعة، والحياة النشطة.

التاريخ في تركيا وأسطنبول تحديدًا معروف لا يحتاج الذكر. فأسطنبول الآن هي القسطنطينية قديمًا، فتحها السلطان محمد الفاتح محولًا كنيستها آيا صوفيا إلى مسجد –حول إلى متحف حديثًا-، كما شهدت أسطنبول سقوط الدولة العثمانية وحكم السلاطين، في قصورها تجدُ التاريخ يحكي أسباب السقوط من الزخارف والبهرجة المبالغ فيها جدًا بينما تحكي قلاعها وبكلِ إلهام حكايا الهمم العالية والإرادة القوية والتخطيط المحنك حتى في أدق التفاصيل. في أسطنبول تجدُ بذاخة النصر والأمان، وجحافة الخسارة والذل.

في أسطنبول تجدُ التاريخ يحكي نفسه من الجدران والأعمدة، تجدُ السجاد والمقاعد يحكي حكايا أقوام سكنو المكان وملأوه حياة في يوم ما.

في أسطنبول تجدُ كُل شيء، في منطقة السلطان أحمد بين المسجد الأزرق وآيا صوفيا، في الحديقة ذات المقاعد المتصافة تجدُ بائع “الدندورما” وهو يستعرض كرات البوظة بخفة ومهارة مبهرتين، تجدُ بائع “الصَمِيت” وهو يعرضُ أقرصته بأنواعها السادة أو المحشوة بالشكولاتة أو الجبن أو غيرها. تجدُ بائعة الوردِ كبيرة السن وبائعة أطواق الوردِ الصغيرة. في أسطنبول تجدُ كل شيء. اللغة والأسماء تشعرك أنك في حكايا سندباد، أنك في عالم آخر غير الأرض التي تعرفها، عالم يجتمع فيه كُل الثقافات القديمة لتصنع ثقافة مستجدة فريدة من نوعها تتقبل وتتفاعل وتتكيف مع كُل شيء.

في أسطنبول تجد الأعداد الهائلة من المساجد بتصاميمها التي تعود بك إلى العهد العثماني وما سبقه بقببها المتعددة ومناراتها النحيلة، تجد في بساطة زخرفتها رغم كثرة الزخرفة سحرًا، لكنها فارغة إلا من قليل من السادة كبار السن!

أسطنبول تسحرك بجاذبيتها الكبيرة وشخصيتها وروحها المميزة. من لم يزر أسطنبول، لم يرَ تاريخًا ولا حاضرًا ولا مستقبلًا.

كل ما سبق وأكثر لا يقارن بما جذب انتباهي وأثاره. الجميل والجميل جدًا في تركيا رؤيتك للوجه التركي الجذاب في كُل مكان، في وجه البائعة ورجل الأمن وسائق التاكسي ومسؤول النظافة، ترى الروح التركية وتشعر بيها في كُل مكان، تسمع اللغة التركية وتقرأ كلماتها في كُل مكان. تُركيا وأهلها يشعرونك بحبهم وعشقهم الشديد لكل شيء له علاقة بيهم، حتى في أبسط التفاصيل. في بعض الأحيان قد يكون ذلك سببًا لصعوبة التواصل للسائحين الغير ناطقين بالتركية، لكن في نفس الوقت يعطي ذلك دافعًا لكل أجنبي لمعرفة اللغة التركية ومصطلحاتها الأساسية.

كشخصية سعودية يعمل في وطني من الأجانب أكثر مما يملئها أهل البلد، من اللطيف تجربة إحساس الأمان عندما ترى وجهًا مألوفًا في كل ركن. عندما تمشي في الشارع وأنت تعلمُ أن لن يحدث لك سوء لأن كُل من حولك بشرٌ مثلك تمامًا.

تركيا دولة رائعة أضفتها لقائمة العودة المنتظرة، فلها سأعود بإذن الله في يومٍ ما تحت ظروفٍ مُختلفة تمامًا. ففيها الكثير مما يستحق الإطلاع والإستكشاف.

من الطريف أني أنهي كتابتي ونشري لهذا المقال وأنا في أوزنغول، طربزون! الفضول وحب الاستكشاف لا يترك الكثير من الوقت لل”روقان” والاسترخاء وبالتالي وقت أقل للكتابة عند زيارة المكان لأول مرة. لكن كُل شيء يهون عند ملاحظة النتائج.

أروى عدنان شفي

في الطريق من أودري إلى أوزنغول، طربزون، تركيا.

12 ذو الحجة  1434 / 17 أكتوبر 2013

6:40 بالتوقيت المحلي، والذي لا يفرق عن توقيت مسقط رأسي مكة المكرمة.

One thought on “أول زيارة لأسطنبول, عند إلتقاء أرواح المدن بالبشر

  1. ღ ليس بغريب عن اسطنبول فقد سميت ب((عاصمة السعادة)) كل من يذهب ينبهر بها وبثقافتها
    أوزونقول ستبهركي أيضا باأهلها وبساطتهم وإبتسامتهم 🙂
    وأخيرا رحلة موفقة وملهمة لكي ياعزيزتي :*

مُشاركاتكم الحكي تُسعدني، فما تحوي عقولكم وتنتج أفكاركم مثيرٌ للإهتمام

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s