نبش المدفون

غريب تأثير مقطع دقيقتين! كيف يعود بك إلى أعماق تناسيت وجودها منذ زمنٍ بعيد.المشاعر بالنسبة لي شيء يصعب الكتابة عنه بطريقة تعطيه حقه وتكفيه، مهما حاولتُ أن أصف أو أُوصِل المشاعر وفكرتها لا أنجح. كأنها لغة أخرى أتقن التعامل بها فقط. وكذلك الحديث عن إساءة شخص لي أو التعبير عنها بطريقة موضوعية دقيقة صعب جدًا. عندما أحاول تحليل الوضع أحيانًا من الافتراضات أن الإنسان عندما يحاول أن يكون لطيفًا قد يُبالغ في الأمر حتى يصل إلى درجة تُؤذيه شخصيًا. لكن الإنسان يحتاج إلى التعامل بذكاء وعقلانية حتى مع المشاعر والعواطف!

نعود إلى المقطع الذي أجاش العواطف والذكريات رغم أنه يرتبط ارتباطًا كاملًا بالعواطف وموازنتها بالمنطق والعقل.

أول قرار اتخذته من هذا النوع كان تغيير مدرستي! درست الابتدائية بالمدرسة السابعة لتحفيظ القرآن، وأكملت بنفس المبنى في المتوسطة الخامسة حتى الصف الثاني متوسط، الطالبات نفسهن، صديقاتي، رفيقاتي، “عِشرة العُمر” اللي بينا كانت غالية!
فكرة النقل بحد ذاتها بدأت معي من بعد الصف الخامس الابتدائي، عندما بدأ كلام “الكبار” يظهر، الدراما تزداد، مستوى تعامل المعلمات في تدنٍ، والإدارة من الاسوأ إلى الاسوأ. لمدة ثلاثة أعوام كُنت أعود لأمي بحَكَاية جديدة تملأ فيَّ جزءً آخر من عدم احتمال المكان والأشخاص، وكُل ما له علاقة بهِم. لا أذكر ما القشة التي قسمت ظهر البعير بالضبط، قد يكون إكتئابي ببساطة شديدة، أو عدم احتمالي لتعامل الأستاذات الفاضلات. قد يكون اكتفائي من حديث الفتيات عن فلانة قريبة فلانة صديقتها كيف أفقدت نفسها عذريتها انتقامًا من والدها أو حديث عن فلانة قريبة فلانة عن العلاقات. قد يكون إحساس الغربة. قد يكون أي شيء! تجميع القوة الكافية لاتخاذ قراري تطلب مني ثلاث أعوام حتى اكتفيت و”وصلت معي” إلى حد “الوضوح” كما أسميه. أن تترك مقركَ الذي اعتدت عليه منذ طفولتك بعمر ٦-٧ سنوات وحتى وصلت ١٤ عامًا كان قرارًا ضخمًا جدًا بالنسبة لي. هل ندمت عليه ؟ أبدًا وأبدأ لن يكون، الحمدلله وجدتُ البديل وأفضل في البديل في مدرسة “دوحة العلم”، هي ٤ أعوام من الصف الثالث المتوسط وحتى الثالث الثانوي، وكأنها ٤٠ عامًا! الحمدلله.

صديقتي الجميلة “عَهْد” كثيرًا ما قالت جملة “خربناكي يا أروى!” يا حبيبتي إذا كان الاحتواء والتشجيع والدفع للأمام من التخريب فليكن! ❤

ثاني وثالث قرار يتعلقان بعلاقة مع أشخاص معينين وليس مكانًا أو بيئة.

بداية العلاقة بكليهما كانت تعارف وأحاديث طويلة، ثم بدأت الأحاديث تطول، تطول، تطول، وتطول، وتطول ..إلخ. عندما أنظر إلى تلك الأيام الآن، أيام “المسن والمسنجر” وشدة المبالغة في الحديث باستخدامها أثرت علي للآن في صحتي وفي علاقتي بالكثير من الأشخاص وعلى رأس القائمة أسرتي وعائلتي.

في كِلا العلاقتين كان الطرف الآخر عزيزًا علي لدرجة تدفعني لمحاولة مساعدتهم في كُل شيء، و”كُل” هنا هي رأس الفتنة والفساد!
في الثانية تجاوز الأمر حدود مشاركة الأحزان والمشاكل والرغبة في المساعدة للإضرار بي شخصيًا، لو شبهت المشكلات بعاصفة ذات غيوم سوداء يدفعها الهواء للإحاطة بي ببطأ وإحكام لكان هذا الوصف اللطيف جدًا قريبٌ من الواقع، لم أكن يومًا شخص يقدر على احتمال الدراما ولا سيما الدراما الشديدة، وأعتقد في تلك الفترة من العُمر ولاسيما عند الأناث الناعمات تزداد الدراما في كُل شيء. فكُل يوم مشكلة جديدة، كُل يوم مصيبة أكبر، مرض، وفاة، حزن، اكتئاب، شكوى، شكوى، شكوى، وزاد الطين بلة شخصية الحلوة نفسها، تبريء الجميع ورمي الخطأ عليها ثم شكواه لي، إعطاء النفس أكبر من حجمها في نقطة فهم الآخرين. ازدياد الظنون والتخمينات، فكانت أشبه بدوامة وأنا أمسك بيد الإنسان أحاول مساعدته وهو يدفع نفسه للغوص ساحبًا إياني معه!

هُنا أعلم أن العلاقة لم تعد “صحية”، كان قرار قطع أي صلة بيني وبين الطرف الآخر أتى بعد محاولات عدة، كانت آخر ورقة عندي للعب، هل أحسست لفترة قبلها، خلالها وبعدها أني اسوأ “أخت صغرى” في العالم؟ نعم، بالطبع! تركِ فتاة ضعيفة في تلك الحالة كان كسرًا لكل قواعدي ووعودي لنفسي بأن أساعد وأقف بجانب من أستطيع، لكنه أقام أهم قاعدة “ليس كُل الأشخاص قابلين للتحسن في نقاط معينة، ليس كُل الأشخاص مكتوب لهم أن يبقوا في حياتك للأبد”. وقد كان ما كان، حقيقة لا أذكر تفصيل “المكالمة الهاتفية” كما أسمتها، لا أذكر كيف استطعتُ أن آتي بقوة تجعلني أوصل لإنسانة فكرة “وجودك ذاته في حياتي أذية لي فأبعدي عني رجاءً”، كيف قدرت أكون أنانية لهالدرجة،  لكنها حصلت بتوفيق وتيسير من ربنا والحمدلله. هل أنا نادمة على داك القرار؟ أبدًا ولن يكون أبدًا بإذن الله. هل ممكن أعاود الصلة والصداقة مع الإنسانة مرة أخرى ؟ حقيقة لا أظن، فعندما تكون الأسباب جذرية ومحورية لهالدرجة، بتُبنى حدود وجدران استحالة هدمها، أو المرور عبرها، فوقها، خلالها ..إلخ.

بالعلاقة الثالثة كان الوضع أغرب من الاثنين الأولى، في ناس ماشاء الله عليهم عندهم “سلاسة” في التعامل والدخول في حياتك زيادة عن اللازم أحيانًا، بيوم يجي يتعرف عليك، نهاية الأسبوع ولا الشهر بكل بساطة يلومك “فوّت عيد ميلادي ليش المفروض تكون أول المهنئين!” هوّن علينا يا شيخ، هو إحنا لحقنا ؟ دا النوع من الأشخاص كان ولا زال يثير تعجبي وأغبطهم صراحة على البساطة والسلاسة والروح الاجتماعية الشديدة دي. 

النوعية دي من الأشخاص والممكن تصنيفها تحت “حبوبة” -زمان عن هالكلمة!- الحديث معهم وجلستهم حُلوة ولا تنمل، فالاعتياد على وجودهم والحديث معهم بيتم ببساطة وسلاسة كشخصياتهم. لكن لكل شيء لازم يكون “حدّ”، في تلك الفترة من حياتي بدأت أنضج بصورة أكبر وأستوعب مفهوم العائلة أكثر، كانت هالنقطة خصوصًا محور تغيير بالنسبة لي، كنت ولا زلت أؤمن أن الإنسان بيظل عنده إحساس بالغربة والوحدة ما دام بعيد عن أسرته وما دامت أسرته ليست مرجعه الأول، مفهوم الأسرة والعائلة يقوم بالأساس على الاحتواء والتكاتف، مفهوم الصداقة لا يعني طول المحادثات ولا كثرتها، بل يعني عمق الفهم والاستيعاب للشخصيات، ومعاونة الأصدقاء لبعضهم للسمو والعلو بأخلاقهم وثقافتهم وعقلهم ..إلخ. ونقطة أخرى مهمة جدًا، فكرة “الإنسان المقرب الوحيد” أجد أنها خاطئة وغير عملية إطلاقًا، فالإنسان بطبيعته يحتاج لأكثر من عنصر واحد ليصل للاستقرار والاتزان العاطفي. يبدأ منذ الطفولة مع العائلة، ويكبر الطفل حتى يصل لمرحلة احتياج الأصدقاء بالإضافة للعائلة، ثم مرحلة “السُكنى” والزواج بالإضافة للعائلة والأصدقاء! فالإنسان لا يستطيع الاكتفاء بأي من هذه العناصر الثلاث دون الآخرين.

في تلك الفترة من حياتي لم أعي كُل هذه المفاهيم بالصورة الواضحة والمنطقية التي أراها بها الآن، كان كُل شيء يعتمد على أحاسيسي الداخلية وما يمليه علي قلبي وما أشعر أنه الأصح.

شخصيًا كان عندي تقصير كبير في ثلاثة العناصر السابقة، لم يكن لدي العديد من الأصدقاء، وعلاقتي مع أسرتي كانت سيئة جدًا لكن لم يكن هذا كُل شيء من كان بالنسبة لي “الإنسان المقرب”، كان لديه خللٌ في نفس النقاط مثلي، بمنهجية تفكيري حينها كان كُل شيء منطقيًا بالنسبة لي. بدأت العمل على نفسي بمحاولة الاقتراب من أسرتي، والتخفيف من قربي من إنساني المقرب، على الرغم من غرابة الوضع بأكمله. لليوم أدعوالله أن أكون قد اتخذت القرار الصحيح. هل ندمت على فعلي؟ بما أن قاعدتي أن لا أندم على شيء فعلته باقتناع، فلا، لستُ نادمة. هل أشعر أحيانًا أني “مفترية” و”قوية أكثر من اللازم” و”أنانية” ؟! حقيقة نعم، لكن أعتقد هذا والله أعلم أني فعلتِ ما كان يجب أن يُفعل. هل أتمنى لو راسلني الطرف الآخر في هذه العلاقة يومًا وقال لي كان فعلكِ محقًا ؟ بالطبع! ستختفي نقطة الشك التي لا تريد الاختفاء.

الحديث عن كُل هذا مُرهق حقيقة، حاولت أن أتحدث “بموضوعية” لأستطيع أن أكون محايدة، الحكاية كلها شخصية أساسًا ومالي داعي أحاول أحكي بموضوعية، أدري، بس الحكي هيك أسهل وأدق، فاعذروا التمرجح بين الفصحى واللهجة، بين الضمائر، بين المبني للمجهول والمعلوم.. من الآخر “مشو حالكم” =D
وفي كُل الأحاول دي مدونتي، بأكتب وأحكي فيها عن حاجات قديمة وحركات وكدا، ونحيا في عالم حر، فلتحيا حرية التعبير والرأي! (A)

مُشاركاتكم الحكي تُسعدني، فما تحوي عقولكم وتنتج أفكاركم مثيرٌ للإهتمام

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s